بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


النّص والإجتهاد
النصّ :

ترد كلمة النصّ في مصطلح الفقهاء وعلماء اُصول الفقه، ولها معنيان، عدا المعنى اللغوي.
فهي في اللغة تعني : «... النّصُّ رفْعك الشيء. نَصَّ الحديث ينصُّه نصّاً، رفعه، وكل ما اُظهر فقد نُصَّ. قال الأزهري: النصّ، أصله منتهى الأشياء، ومبلغ منتهاها، ومنه قيل: نَصصت الرَّجُل، إذا استقصيت مسألته عن الشيء، حتى تستخرج كل ما عنده ... وفي حديث هرقل: ينصُّهم، أي يستخرج رأيهم ويظهره، ومنه قول الفقهاء: نَصُّ القرآن، ونَصُّ السُّنَّة، أي ما دلَّ ظاهر لفظها عليه من الأحكام...»(81).
وإذا كان هذا هو المعنى اللغوي للنصّ، وهو الرفع والإبراز والإظهار وبلوغ المنتهى من المراد ، فانّ له معنيين إصطلاحيين عرّفهما علماء الفقه والاُصول، فالنص في أحد معنييه الإصطلاحيين، هو ما نطق به الوحي من قرآن ، أو ما نطق به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من قول(82) . وهو ما يعادل كلمة ( المتن ) في مصطلح علماء الحديث، المستعمل في مجال السنّة فقط .
عرّف الفقيه الشهير الشهيد الثاني ( المتوفّى 965 هـ ) ، عرّف المتن بقوله : «المتن لفظ الحديث الدّال على المعنى»(83).
وللنصّ معنى اصطلاحياً آخر، سيتضح لنا من تقسيم الاُصوليين لقدرة الدليل اللّفظي على إفادة المعنى.
فالدلالة، حسب تقسيمهم، تقسم من حيث إفادتها للمعنى الى ثلاثة أقسام، هي:
1 ـ النصّ : «وهو الدليل اللفظي الدال على حكم دلالة واضحة، توجب اليقين أو الإطمئنان، فهو حسب نظام اللغة، وأساليب التعبير، لا يحمل سوى إفادة ذلك المدلول»(84).
2 ـ المجمل : «وهو الدليل اللفظي الدال على أحد أمرين، أو اُمور على نحو تكون صلاحيته لإفادة أي واحد منها مكافئة لإفادة غيره، بحسب نظام اللغة وأساليب التعبير العرفي. وهذا هو المجمل»(85).
3 ـ الظّاهر : وقد يدل الدليل الشرعي على أحد أمرين، مع أولوية دلالته على أحدهما ، بنحو ينسـبق الى الذهن ... وهذا هو الدليل الظاهر»(4) .
ودراسـة النصّ بمعـناه الأعم : (النص بالمعنى الأخصّ والمجمل والظاهر)، هي من أهم مباحث علم اُصول الفقه، وأدوات الكشف عن الدلالة .
وقد اهتم المفسرون، وعلماء اُصول الفقه، والفقهاء، بدراسة اللفظ والجملة والسياق، دراسة علمية تحليلية، للكشف عن الدلالة، أو مراد المتكلم ( كتاباً وسنّةً ).
وإذا عرفنا حقيقة النصّ بمعناه العام، وأنه البنية اللفظية المُبرزة لتمام المعنى المراد للنّاص. فان تلقي الدلالة من هذا النصّ، يحصل على ثلاث مستويات ـ كما مرّ في تعريف الشهيد الصّدر ـ فمستوى منه قادر على إبراز المعنى بوضوح كامل، وبشكل يوفر اليقين للمتلقي بأن هذا هو مراد المتكلِّم، ولا يحتمل مراداً آخر أبداً، كقوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَد )، (وَلاَيَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )(86)، (وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا )(87) ، (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْط )(88) ، (إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُم المِيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الخِنْزِير )(89)، (وَلَكُم نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَد )(90) .
ومثل هذا النصّ اللفظي يبرز المعنى بشكل واضح وقطعي، ولا مجال فيه لتعدد الفهم، أو الإجتهاد ; لذا ثُبّتت القاعدة العلمية القائلة : «لا اجتهاد مع النصّ» .
وهكذا فإن الأحكام والمفاهيم العقيدية والفكرية التي يحملها (النصّ) غير قابلة للإجتهاد ، وهي من القضايا الثابتة التي لا تغيير فيها ، ولا إيقاف لتلك الأحكام النصّية إلاّ لضرورات تضطر الإنسان إلى تجاوز تلك الأحكام ، غير أنّ هذا التجاوز يزول بزوال الدواعي ، وهو جواز قد نصّ عليه نصّ لا اجتهاد فيه، وهو قوله تعالى : (فَمَن اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إثْمَ عَلَيْه )(91).
أمّا ما ورد مجملا، أو احتمل أحد المعنيين، مع انسباق أحدهما إلى الذهن، وفق قوانين اللغة والعرف، مع امكان أن يكون المعنى الآخر هو المراد.
فإنّ هذين الواردين،أو النصّين بمعناهما العام قابلان للإجتهاد ، واستفادة المعاني العديدة.
وقد قسم العلماء مستوى مراد المتكلم، أو الفاعل، من كلامه إلى : (المجمل) و(المبيّن)، وعرّفوا المجمل: «ما جهل فيه مراد المتكلِّم ومقصوده، إذا كان لفظاً، وما جهل فيه مراد الفاعل ومقصوده، إذا كان فعلا ((92))»(93).
وعرّفوا المبين بقولهم : «ما كان له ظاهر يدل على مقصود قائله أو فاعله، على وجه الظن، أو اليقين، فالمبيّن يشمل الظاهر، والنصّ معاً»(94) .
ومن الوقوف على هذه الدراسة التحليلية للنصّ الشرعي بمعناه العام، يتبيّن لنا أن اكتشاف المعنى من اللّفظ المفرد أو الجملة والسياق، وفق قوانين اللغة والعُرْف المساعد على الفهم عملية قابلة للإختلاف، وتعدّد الفهم، وهذا ما يعزِّز علمياً ، الفصل بين ما هو إلهي، وما هو بشري، وتبرئة المراد الإلهي من خطأ الفهم البشري، وبذا فإن النقد والمحاكمة، هي للفهم، وليست للنّص ، فالنّص الإلهي (الكتاب والسنّة) منزه عن الخطأ.
وذلك يعني أن مساحة واسعة من الكتاب والسنّة مفتوحة الاُفق للفهم وتطوراته وفق منهج علمي للفهم والإستنباط .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com