قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: حول منهج التعامل مع التراث
الإجتهاد :
تعريف الإجتهاد : وإذا وضح لنا النّصّ بمعناه اللغوي والاصطلاحي الخاص ، وأنه في معناه الاُصولي ، الكلام الدال على معنى محدد واضح ، لا يحتمل غيره ، فهو إذن معنى محدّد ، لا مجال للإجتهاد وتعدّد الرأي فيه ، ذلك لأنّ الإجتهاد ، هو بذل الجهد العلمي لاستنباط الحكم الشرعي، فيما فيه مجال للإجتهاد. ونتائج الإجتهاد، كما ستتضح لنا، هي نتائج ظنية ; لذا فهي قابلة للنقد والتغيير باجتهاد علمي آخر، بعكس النصّ، كما وضح لنا آنفاً. عُرِّف الإجتهاد بأنه: «بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الإعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً»(95). وعُرِّف أيضاً : «الإجتـهاد في اللغة : تحمّل المشـقّة ، واصطـلاحاً ، كما عن الحاجبي والعلاّمة ، استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي»(96). وعرّفه الآمدي الشافعي بقوله: «وأمّا ـ الإجتهاد ـ في اصطلاح الاُصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه ...»(97). وبعد أن تطوّر الإجتهاد ونظّر، أصبح له منهجه العلمي الخاص به، وهو علم اُصول الفقه. فقد تكفّل هذا العلم ببحث الأدوات الإجتهادية، ومنهج الإجتهاد، وتحمل مسؤولية تنظيم التفكير الإستنباطي لضبط هذه العملية من الزيغ، أو الخروج من الموضوعية العلمية الى الذاتية، فهو إذن علم الأدلّة والدلالة . ويعتمد المجتهد والمفكِّر في ممارسة عمله الإستنباطي من النصّ الشرعي (الكتاب والسنّة)، على علوم ومبادئ أساسية هي : 1 ـ اللّغة ، 2 ـ العُرْف ، 3 ـ علم الحديث ، 4 ـ علم اُصول الفقه ، 5 ـ العقل. أمّا مصادر الإجتهاد، فهي الكتاب والسنّة، وأمّا ما استحدثه بعض الفقهاء من مصادر، من القياس والإستحسان وعمل الصحابي أو المصالح المرسلة، فهو مورد نقاش علمي بين أولئك الفقهاء أنفسهم، فضلا عما بينهم وبين أئمة وفقهاء الشيعة الإمامية من حوار ونقاش علمي. ولا بد لنا من أن نشير هنا الى أن العقل، كدليل للتشريع في مدرسة أهل السنّة، لا يعني أنه مصدر مساو للكتاب والسنّة، فهو ليس مشرِّعاً، ولا مؤسِّساً للأحكام، بل هو كاشف عن الحكم. لذا عرِّف العقل بمعناه الاُصولي بأنه: «كل قضية يدركها العقل، ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي»(98). ويفيد الشهيد الصدر في مقدّمة رسالته الفقهية (الفتاوى الواضحة)، بأ نّه لا توجد هناك مسألة ليس لها دليل في الكتاب والسنّة ، فيلجأ الى العقل لالتماس حكمها، وأنه ـ الصدر ـ استنبط ما في رسالته من أحكام اجتهادية من الكتاب والسنّة فقط . والبحث يدعونا الى أن نوضِّح أن ما يحتاجه الفرد والمجتمع والاُسرة والدولة من الأحكام والقوانين الشرعية، على امتداد العصور، هو مستوعب في إطار الرسالة الإسلامية، وهي مجموع التشريعات المبيّنة والمنظمة للعبادات والحياة المدنية والإجتماعية، كقوانين الاُسرة والميراث والتجارة والشركات والأرض والعقوبات والسلوك الشخصي والعلاقات الدولية ... الخ ، وجاء استيعابها بشكل أساس، كالآتي : 1 ـ ما جاء حكماً صريحاً ، كحرمة الخمر ، والرِّبا ، والإحتكار ، والزِّنا، والظلم، والغيبة، وتسليط غير المسلمين على المسلمين، ووجوب الصلاة، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووجوب الدفاع عن عقيدة المسلمين وأوطانهم ومصالحهم، وإباحة الملكية الخاصة والتجارة بصورة عامة، واستحباب الزينة والجمال والرياضة البدنية، وبطلان العقود من غير رضا طرفي العقد، أو اكراههم على ذلك. 2 ـ ما جاء من الأحكام بشكل غير صريح، ولكنه مستوعب في عموم النصّ الشرعي أو اطلاقه، كتحريم المخدرات لدخولها في عموم تحريم المسكر، أو لدخولها في تحريم الضرر والضرار... الخ ، وتشكل تلك الأحكام مساحات واسعة من الحياة البشرية المستجدة. 3ـ ما لم يرد فيه صريح،ولا هو متضمن في نصّ شرعي،أي لم يرد فيه بيان شرعي،فهذه المساحة تعني أن لا إلزام بالحُرمة أو الوجوب،وهي البراءة من التكليف الشرعي. وهكذا يتحدّد معنى القاعدة الشرعية القائلة: «ما من واقعة إلاّ ولله فيها حكم». فما من قضية يواجهها الإنسان في حياته الفردية أو الإجتماعية، وفي شتى المجالات، إلاّ وحدَّدت الشريعة الإسلامية الموقف منها. وقد ساهم الإجتهاد مساهمة فعالة في تنمية الفقه الإسلامي، ومدِّ آفاقه الى شتّى المجالات، وتحديد الموقف الشرعي من القضايا والمسائل المستجدّة في عالم الإنسان على مرِّ العصور والأجيال باستنباط الأحكام من الاُصول الدالّة عليها. وذلك دليل حيوية الشريعة الإسلامية ، وخلودها ، وقدرتها على قيادة الإنسان ، وتنظيم حياته الإجتماعية وتطويرها بشكل متواصل . من ذلك نفهم قيمة الإجتهاد، وأنه عمل علمي يُمارس ضمن ضوابط ومناهج واُصول علمية، كما نفهم سعة النصّ الشرعي، وقدرته على استيعاب الحياة البشرية على امتداد عصورها، شريطة أن يمارس الإجتهاد بعقل علمي، بعيد عن التأثر بظروف المستنبط الشخصية، والبيئية، وأن يكون التعامل مع النصّ علمياً وموضوعياً، كما يتعامل أي باحث في مجال الطب والفيزياء والأحياء.
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|