اسم الكتاب: الاسلام دين البشرية
1 ـ الاسلام بين العنوان والمضمون
تختلف الاسماء من حيث انطباقها على المسمى ، وصدق تعبيرها عنه اختلافاً كبيراً حسب الكيفية التي وضع بها الاسم عنواناً للمسمى ، والطريقة التي أطلق فيها للدلالة عليه . إذ قد يطلق الاسم تارة على المسمى إطلاقاً ارتجالياً ، بلا مناسبة بينهما ، ولا دلالة حقيقية في الاسم تدل عليه . . كما هو الحال في كثير من الاسماء والعناوين والاوصاف التي نتعامل معها يومياً ، ونلتقي بها كثيراً . . . مثال ذلك الشخص الذي نسميه خزعلاً . . .فنحن بتسميتنا لهذا الشخص لم نراع العلاقة الحقيقية بين الاسم الذي نطلقه على هذا الشخص ، وبين الحقيقة المتجسّدة فيه . . فخزعل في لغة العرب هو الضبع ، ولا علاقة بين ذات الانسان وماهية الضبع . . ومع ذلك فنحن نطلق هذا الاسم على أفراد النوع الانساني ، بلا علاقة حقيقية ، ولا مناسبة بينهما . . فيكون اختيارنا لهذا الاسم ، واطلاقنا له اختياراً مرتجلاً ، واطلاقاً بلا مناسبة ، ولا دلالة حقيقة تعبر عن ذات المسمى . . وقد يطلق الاسم تارة أخرى على المسمى ، وقد اختير اختياراً دقيقاً ووضع وضعاً صادقاً بشكل يجعل من المسمى أو المضمون والمحتوى المندرج تحت هذا الاسم ، أو المصطلح ، حقيقة كلية تنطوي في صيغة هذا الاسم والعنوان ، وتكمن في أرجائه . وهكذا فعل القرآن حينما اختار اسم «الاسلام» عنواناً لشريعة سيد المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)واسماً لمطلق الخضوع والعبودية لله وحده . . . فالقرآن بفصاحته ، وبلاغته ، وعمق تعبيره ، ودقة اختياره للكلمة ، والمفهوم ، والاسلوب ، لا يمكن أن يكون إلاّ دقيقاً حينما اختار هذا الاسم عنواناً عاماً لهذا الدين . . وإلاّ معبراً في اختياره هذا أصدق التعبير عن واقع هذا الدين وحقيقته . . لذا فقد جاء هذا الاختيار القرآني دقيقاً وشاملاً بشكل حافظ على التناسب والارتباط بين منهاج الشريعة وأهدافها من جهة ، وبين الاسم الاسلام الذي سميت به الشريعة من جهة أخرى . ونستطيع أن نكتشف هذه العلاقة القائمة بين الشريعة وبين مضمونها وأهدافها إذا عدنا إلى قواميس اللغة أولاً ، وعرفنا أن كلمة «الاسلام» تعني في لغة العرب الخضوع والاستسلام . . ثم انتقلنا (من قواميس اللغة) إلى محتويات الشريعة . . العقائدية ، والتشريعية ، والتوجيهية ، وقمنا بدراستها وتحليلها واستنتجنا من خلال ذلك أن هذه البنية الدينية بكامل وحدتها تستهدف (الخضوع والاستسلام لرب العالمين ، والتحرر من كل خضوع واستسلام لطواغيت البشر ، وخرافات الوهم) . فإذا قمنا بمثل هذه المتابعة والاستقراء ، استطعنا أن نكتشف السر الكامن في العلاقة بين عنوان الشريعة وهويتها ، والمناسبة التي دعت القرآن إلى نقل هذه الكلمة «الاسلام» من معناها اللغوي إلى وضعها الاصطلاحي ، وإعطائها دلالة شرعية خاصة . واستطعنا أن نستنتج أيضاً أن هذا الاسم دالّ على مسماه (الدين) وأن التطابق دقيق بين العنوان والحقيقة العقائدية والتشريعية المنطوية تحته . . . وإن هذا الدين لم يسم (بالاسلام) إلاّ لانه منهاج الاستسلام والخضوع لرب العالمين ، ودعوة الخلاص والتحرر من كل عبودية ، وضع الانسان قيدها في عنقه . (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرسُول النَّبِيَّ اْلاُمَّيَّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ والانجيل يَأمُرُهُم بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيَّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَاْلاَّغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الاعراف/157)
|
|