بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الاسلام دين البشرية


ـ النسخ والتكامل في الرسالات الالـهية

(قُولُوا آمَنَّا باِلله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلى إبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِقُ بَيْنَ أَحَد مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) .(البقرة/136)
تلتقي الرسالات الالـهية جميعا على خط واحد ، وتتجه نحو غاية واحدة وهي: إنقاذ البشرية ، وتعبيد الناس لله ، عن طريق المبادئ الايمانية السامية . . . والمناهج التشريعية المتمثلة في القوانين ، والاخلاق ، والنظم ، والعقائد ، .والعبادات التي بشر بها النبيون ، ونادى بها المرسلون ، على امتداد خط التاريخ الانساني ، وعلى عرض ساحة الحياة البشرية بشكل مراحل وكيفيات موازية لنمو البشرية التعبدي والحضاري ، وتكاملها الاصلاحي .
فكل نبي كان يمهد لنبي آخر ، ويعمل على انضاج البشرية من الناحية الفكرية ، والروحية ، والسلوكية; لتكون مهيأة لتلقي الرسالة الالـهية الاتية . . .
وهكذا توالت الرسالات تسير على هذا الخط - خط الهدم والبناء ـ هدم العقائد والنظم ، والقوانين ، والاخلاق الفاسدة في كل بيئة ، وفي كل تشكيل حضاري تهبط في أرضه لتمارس عملية البناء . . . بناء شخصية الفرد والمجتمع بناءً فكريا وروحياً يقوم على أسس المبادئ الدينية السامية ، التي تتعهد بتوفير الخير والصلاح للانسان في آخرته ودنياه .
وعلى هذه الشاكلة سار البناء التكاملي في مسيرة الانبياء حتى اتخذ صيغته النهائية في رسالة سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم); فكانت رسالته هي خاتمة الرسالات ، ومنهاجه هو منهاج التكامل البشري بأرقى صيغة إيمانية ، وحضارية ممكنة:
(. . .الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلاَمَ دِيناً. . .).(المائدة/3)
(إن الدِّينَ عِندَ الله الاسلام . . .) .(آل عمران/ 19)
(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرةِ مِنَ الْخَاسِرينَ) .(آل عمران/85)
وقد حققت الرسالات الالـهية عملية النمو والتكامل في بُنيتها التشريعية والحضارية العامة بواسطة اسلوبين مهمين هما:
1 ـ اسلوب النسخ: وهو عبارة عن ابطال شريعة سابقة وايجاد البديل الارقى «شريعة لاحقة لتحل محلها وتملا فراغها» .
قال تعالى:
( . . . وَمَا كَانَ لِرَسُول أَن يَأْتِي بِآيَة إِلاَ بِإذْنِ الله لِكلِّ أَجَل كِتَابٌ * يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتّابِ) .(الرعد/38ـ39)
وكما خضعت الشرائع والرسالات لظاهرة النسخ والابدال بكامل وجودها وسارت على قاعدة الاقرار الزمني المؤقت لمهمتها (لِكُلِّ أَجَل كِتَابٌ) ، خضعت كذلك أحكام الشريعة الاسلامية الواحدة . ضمن اطار وحدتها إلى قاعدة التدرج والتكامل الذاتي في أحكامها ، وتنامي قوانينها وأساليبها ، واحلال البديل في الوسائل ، والاساليب والاحكام وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الظاهرة التشريعية في سير وتكامل الشريعة الاسلامية بقوله:(مَا نَنسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَآ ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ) .(البقرة/106)
توصلاً للحكم ، وسيراً نحو التشريع الانضج الذي يسلك كقاعدة قانونية ، وكصيغة تشريعية ، توجه نشاط الانسان ، وتقنن أنماط سلوكه وعلاقاته .
2 ـ والاسلوب الثاني من أساليب التكامل في الرسالات هو اسلوب التوسع،والنمو والامتداد في الاحكام ، والقوانين والمفاهيم . . . فكل رسالة خوطبت بها البشرية فى مرحلة من مراحل حياتها هي أوسع أفقا ، وأشمل تنظيماً ، وأكثر استيعاباً لنشاط الانسان ، وأرقى تناولا لجوانب الحياة المتعددة ، وأقدر على تشكيل صيغة حياتية متطورة من الرسالة التي سبقتها .
وهكذا سار التوسع والشمول حتى بلغ مداه في رسالة خاتم المرسلين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، . . . وقد سجل القرآن هذه الظاهرة التشريعية في بنية الرسالات ، وأوضح تلك العلاقة بين مبادئها فقال:
(وَأَنزَلْنَآ إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِ مُصَدِّقاً لما بَيْنَ يَدَيه مِنَ الْكتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْه فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله وَلاَ تَتَّبعْ أَهوآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكْلٍّ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ، وَلَكِن لَيَبْلوَكُمْ فيمَآ آتَاكُمْ فَاسْتَبقُو الْخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِئكُم بِمَا كُنُتمْ فِيهِ تَختَّلِفونَ).(المائدة/48)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com