قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الاسلام دين البشرية
ـ الرسالات بين الاصالة والتحريف
لقد واجهت الرسالات والدعوات الالـهية محاولات جاهلية متعددة لطمس معالمها ، وتشويه مبادئها ، واقامة الحواجز والموانع أمامها; لاعاقة مسيرتها ، والحيلولة دون انتشار دعوتها . . . وافراغها من محتواها الاصلاحي; ليتسنى لاولئك الجاهليين الالتفاف على تلك المبادئ ، والتآمر على دعوة الانقاذ والخلاص . ولعل أخطر ما واجهته الرسالات من عمليات الطمس والمحاربة هو عملية التزييف ، والتحريف تنفيذاً لاهواء حفنة من الجاهلين المتسلطين ، والمنتفعين الذين أرادوا أن يخضعوا الدين لاهوائهم ويستهلكوا أهدافه في إطار مصالحهم . . . وقد لعب كثير من علماء اليهود «الاحبار» وعلماء النصارى «القساوسة والرهبان والاباء» دوراً خطيراً في تزييف الرسالتين اليهودية ، والمسيحية حتى حولوها إلى ديانات شبه وثنية ، وطمسوا صفاتها الالـهية ، فأخضعوا الدين لاهوائهم ، ومصالحهم ، وأدخلوا عليه رواسب أفكارهم المنحرفة; فغدا الدين صيغة مشوهة من الخرافات ، والاساطير التي يرفضها العقل السليم ، ويسخر منها العلم الصحيح . فأساءوا بهذا التزييف والتحريف إلى دعوة الدين والايمان . . . فلم يعد الانسان يواجه في هذه الصورة الدينية التي رسمتها تصورات الاحبار والقساوسة غير الخرافات والاساطير . . . وغير الدعوة الى التحجر والركود،وتركيع الانسان بين يدي الطغاة والمستبدين. . . فكانت هذه الصورة سبباً للنفور من الايمان،ومشجعاً لاعلان الحرب والمعاداة ضد فكرة الدين. . . والانسان على حق عندما يتخذ هذا الموقف من تلك التصورات الزائفة المحرفة ، وعندما ينفر من هذا الفهم المتحجر المشوه لرسالة الدين بعد أن أفرغت من محتواها الالـهي الحق ، وبعد أن غدت صيغة مشوهة لا تمثل فكرة الايمان ، ولا تعبر عن دعوة الانبياء . . . وقد تحدث القرآن الكريم كثيراً عن هذا التحريف ، والتزييف ، وبينه في مواضع كثيرة من آياته المقدسة ، في معرض حديثه عن اليهود والنصارى فقال: (لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْركْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا للظالمين مَنْ أَنَصَار * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوآ إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَـه إِلاّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(المائدة/72ـ73) (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُم بأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ).(التوبة/30) (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَـهاً وَاحِداً لا إِلَـهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونّ).(التوبة/31) (فَوَيْلٌ لِّلِّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بأَيْدِيهمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَروُا بِهِ ثَمَناً قلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ) .(البقرة/79) وهكذا يوضح لنا القرآن الكريم صورة الانحراف التي أحدثها أحبار اليهود ورهبان النصارى في العقيدة والتشريع ، وفي الفهم الايماني الذي دعت إليه التوراة والانجيل فاشترعوا القوانين والانظمة ، وفلسفوا الحياة ، وعرضوا صورة العقيدة اليهودية والمسيحية بالطريقة التي تخدم مصالحهم ، وتتناسب ومستوى وعيهم وتصورّهم الخرافي المتحجّر ، فأحدثوا منعطفا خطرا في مسيرة هاتين الرسالتين الالـهيتين . . . ساهم في حرف وتضليل قطّاع كبير من أجيال البشرية ، وابنائها; فاتّخذ هذا التحريف صيغة المعتقد ، واحتلّ موقع الدين في نفوس المنتمين إليه والاتباع دونما وعي ، أو تعامل عقلي ونقدي سليم ، بل عدّوا تلك المفاهيم والمعتقدات من المسلّمات ، والمعارف الالـهية التي لا تقبل الجدل . وان نحن حاولنا دراسة التوراة والاناجيل المتداولة بين أيدي أصحابها ، وقمنا بنقدها ومناقشتها على أساس الفكر الديني الصحيح ، لوجدنا صورة خرافية بعيدة كل البعد عن روح التوراة المنزّلة على موسى (عليه السلام) ، والانجيل المنزّل على عيسى (عليه السلام) ، والشواهد كثيرة على ذلك ، والادلة عديدة ، نذكر منها: 1 ـ يتداول المسيحيون الان اربعة أناجيل(2)،يختلف الواحد منها عن الاخر ، اختلافا كبيرا ، ويتناقض معه تناقضا واضحا . ونحن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل كتابا واحدا إلى عيسى (عليه السلام) ، ولم ينزّل كتبا وأناجيل متعددة ، فمن أين جاء هذا التعدّد؟ .كيف نشأ هذا الاختلاف . .؟! انّ التفسير الوحيد الذي لا يقبل الشّك لهذه الظاهرة هو التحريف ، والتزييف الذي تعرّضت له الكتب الالـهية . . . «التوارة والانجيل» فضاعت أصالتها ، وفقدت سلامة وجودها . 2 ـ من المسلّم به أنّ الاديان كلّها صادرة عن الله تعالى وكلّها تؤمن بتوحيد الله ، وتنزهه عن صفات البشر جميعا ، في حين نشاهد التوراة المتداولة بين أيدي اليهود الان تخرج بشكل سافر على عقيدة التوحيد ، وتشوّه هذا المبدأ الاساسي في رسالات الانبياء جميعا مدّعية أنّ عزير ابن الله ، كما تدّعي الاناجيل الموضوعة نفس الدعوة ، فتعتقد أنّ المسيح هو ابن الله ، وأن المسيح يحمل طبيعة إلـهيّة ، إلى جانب طبيعته البشرية ، وهو متّحد مع الله . فهو الالـه بصورة بشر . وقد حملت التوراة والاناجيل تناقضات سافرة في الاقوال حول الله تعالى ، فهي تثبت ان الله إلـه واحد والله لا إلـه سواه(3)،وان الله لم يره أحد قط(4)،ولكنها في موارد أخرى تنسف هذا التوحيد وتأتي بأفكار واضحة الشرك تؤكد الدس والتحريف فتقول ان الالهة متعددة(5)، وان موسى وهارون ومن معهما من شيوخ بني اسرائيل قد رأوا الله في جبل سيناء ، ورآه قبل ذلك يعقوب وجها لوجه ، وصارعه ليلة كاملة ، وظهر لابراهيم عند بلوطات حمرا وفي أمكنة أخرى(6)،ورآه قبل جميع هؤلاء آدم في الجنّة وكانت له مع جميعهم شؤون . وواضح كل الوضوح لدى الفهم الديني السليم أنّ هذا التفكير تفكير محرف ، واعتقاد وثني شاذ ، ومنحرف عن مبادئ الدين الذي جاء به موسى وعيسى (عليهما السلام) . 3 ـ انّ هذه الكتب الموجودة الان في أيدي اليهود والمسيحيين تتهم الانبياء بالزّنا ، وشرب الخمر ، والاحتيال ، والتزييف . . . فتضع الانبياء ـ وهم المقدّسون الّذين يمثلّون السّمو الاخلاقي ، والاستقامة السلوكية ـ تضعهم في صفوف المنحرفين والمجرمين ، وقد حفلت التوراة ، والاناجيل المحرّفة التي تدين محرّفيها ، ومزوّري دعوتها بالعديد من هذه الدعاوي الباطلة ، التي تتّهم الانبياء ، والمرسلين المطهّرين من الذّنوب والاثام بشتّى صنوف الرذيلة ، والمفارقات المحرّمة . فقد ورد في التوراة ، في الاصحاح التاسع عشر من سفر التكوين ، قصّة لوط (عليه السلام) مع ابنتيه في الجبل ، انّ الكبيرة قالت لاختها: (أبونا قد شاخ ، وليس في الارض رجل ، ليدخل علينا ، هلمي نسقي أبانا خمرا ، ونضطجع معه ، فنحيي من أبينا نسلا ، فسقتا أباهما خمرا في تلك اللّيلة ، واضطجعت معه الكبرى ، وفي اللّيلة الثانية سقتاه خمرا أيضاً ودخلت معه الصغيرة فحملتا منه ، وولدت البكر ابنا وسمّته «موأب» وهو أب الموأبيين ، وولدت الصغيرة ابنا فسمّته «بن عمي» وهو أبو بني عمون)(7). وفي الاصحاحين الحادي والثاني عشر من صوموئيل الثاني: انّ داوود النبي زنى بامرأة أوريان المجاهد المؤمن معه ، وحينما أراد أن يتخلّص منه أرسله إلى الحرب ، وجعله في ا لمقدمة ، فقتل ثم استولى على زوجته(8). وفي الاصحاح الثامن والثلاثين من التكوين: انّ «يهوذا» بن يعقوب زنى بزوجة ابنه المسماة «ثامار» ، وانّها حبلت منه وولدت له ولدين «فارص» و «زارح» ، وقد ذكر انجيل متي في الاصحاح الاول نسب يسوع المسيح وسليمان وأباه داود من نسل فارص «هذا الذي ولد من زنا يهوذا بكنّته ثامار» . وفي الاصحاح الاول من كتاب هوشع: أنّ أول ما تكلم الرّب لهوشع ، قال الرّب لهوشع: اذهب خذ لنفسك امرأة زنى ، وأولاد زنى ، لان الارض قد زنت تاركة الرّب ، فذهب وأخذ «جومر» بنت ويلام ، فحبلت ، وولدت له ابنين وبنتا ، وفي الاصحاح الثالث: أنّ الرّب قال له: (اذهب أيضا أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية ، كمحبّة الرّب لبني اسرائيل) . وفي الاصحاح الثاني من انجيل يوحنّا: (انّ المسيح حضر مجلس عرس فنفذ خمرهم ، فعمل لهم ستة أجران من الخمر بطريق المعجزة)(9). وفي الحادي عشر من انجيل لوقا: (انّ المسيح كان يشرب الخمر ، بل كان شريب خمر ـ أي كثير الشرب ـ)(10). وواضح لدى كل إنسان مؤمن بالله ، أنّ مثل هذه الاقاويل ، انّما هي دس وافتراء على الانبياء ، وتشويه لشخصياتهم النّاصعة الطّاهرة . ولو قرأنا الاناجيل والتوراة المحرّفة لوجدناها تعجّ بالخرافات والاكاذيب المدسوسة التي تكشف هدف الوضّاع ، ومقاصد المحرّفين الذين دسّوا على الانبياء والرّسل فاستهدفوا النّيل من عقيدة التوحيد والتعريض بشخصيات الانبياء . 4 ـ ومن الادلّة الواضحة على تزييف هذه الكتب ، هو سريان روح الفكر الوثني فيها ، كالشّرك ، وتجسيد الالـه ، والاعتقاد بأنّ المسيح هو الله بصورة إنسان . . . فقد تأثّر وضّاع الاناجيل وكتّاب الفكر المسيحي بالفكر الوثني السّائد آنذاك ، فأدخل أولئك الوضّاع كثيرا من عقائد الرومان الوثنيين ، وأفكارهم; فشوّهوا وجه الانجيل النّاصع ، واستحدثوا صيغة مشوّهة جديدة للعقيدة المسيحية ، ممّا يؤكدّ بعد النّص ، وغربة روح الانجيل النقيّة .فالصّيغ المتداولة بين الايدي الان هي صيغ الاناجيل التي كتبت بعد عشرات ومئات السنين من تاريخ رفع المسيح (عليه السلام) إلى بارئه .فقد كتبها الرّهبان والقساوسة بالشكل الّذي تصوّروه ، وأرادوه . . متأثرين بالحضارة الرومانية الوثنية ، وبالفكر اليهودي المزيّف . . . الّذي لعب دورا بعيدا في تحريف الانجيل ، وتشويه المسيحية . انّ المنقبين من مؤرخي الاديان ومتتبعي الاثار توصّلوا إلى أنّ عقيدة «التثليث» صورة منقولة عن عقائد الرّومان والبوذيين الوثنية ، وأنّ فكرة «الاقانيم» تعود إلى الفرس والهنود المشركين الاقدمين ، وأنّ الاب والابن ترجع إلى مصدر برهمي قديم . وحتى عقيدة الصّلب وعقيدة الفداء ، فقد كانتا لاهالي (النيبال) في إلـههم (أندرا) ، ولقدماء المصريين المشركين في مخلصهم (أوزيريس) ، وحتى البنوّة الالـهية كانت للرّومانيين في (روملوس) حيث زعموا أنّ امُّه (رياسلفيا) المنذورة للعفّة ، ولدته من (مارس) إلـه الحرب . وللهنود المشركين القدماء الذين يؤمنون بـ (سافتري) الشمس الالـه الواحد وبابنه (آني) النار الذي تجسد في (فايو) الرّوح الحي في بطن (مايا) العذراء . ونجد قصة الفداء في الهندوكية ، وتقديم كرشنا نفسه للموت من أجل تخليص الانسان من الخطيئة الاصلية ، وكذلك موضوع العمادة عند الامم الوثنية السابقة للمسيحية . . ومن يتتبّع تاريخ الاديان يجد ظلالا كثيرة من الوثنية الرّومانية ومن البرهمية والصينية ، ومن الديانات القديمة الاخرى قد ارتسمت بوضوح على اليهودية والمسيحية القائمتين(11). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقائق ، قبل أن تثبت في عصرنا الحاضر بمئات السنين ، حيث ورد في معرض احتجاجه على الّذين زعموا ان الله هو المسيح بن مريم ، وعلى الذين قالوا انّ الله ثالث ثلاثة بقوله تعالى:(قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ،وَلاَ تَتَّبِعُوا أهْوَآءَ قَوْم قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سواء السَّبِيلِ)(12).(المائدة/77 ) والعجيب أنّ بولس الّذي وضع بتعاليمه ورسائله الاربع عشرة أساس العيسوية ، كما هي الان ، كان من أشد أعداء المسيحية منذ ظهورها حتى ما بعد المسيح ، ولذا قد يصحّ القول بأن ديانة المسيح قد اقصيت تماما عن حياة النصارى منذ ذلك اليوم الذي اعتبرت فيه رسائل بولس أساس المسيحية .ومُنذُئذ عزلت الاناجيل والاسفار القديمة عن حياة الناس العملية لتكون مرجعا تاريخيا لا سلطان له على أي توجيه ، وقد اعترف الكثيرون من أحرار الفكر في العالم الغربي (انّ الدين الّذي اخترعه بولس ، وسمّاه المسيحية ، لم تكن له علاقة بتعاليم المؤسس)(13).ويتحدث نيتشه عن البون الشاسع بين تعاليم المسيح وديانة بولس فيقول: (لقد كانت دعوة المسيح في جوهرها دعوة الى النظام والقوة ، أمّا بولس فقد حوّلها إلى دين صار ملاذا للخائفين والمذعورين) . ولذلك أطلق نيتشه على بولس اسم «باسكال اليهودي» لانّه بنظره ميّال إلى الخرافات والمكر(14).ويعبّر ـ كولن ولسون ـ عن هذا بقوله: (انّ قول المسيح: كن سيّد نفسك ، قد تلاشى وحلّ محلّه مسيح آخر من اختراع بولس)(15). وقد ورد في رسالة بولس إلى روميه: (لتخضع كل نفس للسلاطين . . لانّه ليس سلطان إلاّ من الله . . ومن يقاوم السلاطين يقاوم ترتيب الله . .) . و(انّ المسيحية لم ترتكز على تعاليم المسيح ، وانّما ارتكزت على عقيدة ميتافيزيكية اخترعها بولس)(16) ، ولهذا يأسف الكثير من احرار الفكر ، لانّ حركة الاصلاح البروتستانتية لم تكن لصالح فكرة المسيح ، بل لصالح مسيحية بولس(17) . وقد أكدّ ذلك (ويلز) في (ملخّص التاريخ) بقوله: انّ المسيح لم يبشّر بالمسيحية المعروفة اليوم ، وانما أحدثها بولس المتعلّم بالاسكندرية ، ومنها أخذ تعاليمه الوثنية ، التي استحالت فيها آلهة قدماء المصريين ايزيس وهورس وسيزاييس إلى الاب والابن وروح القدس . .) . 5 ـ وقد استمرت الكنيسة المسيحية على مواصلة التزييف والتشويه ، ومسخ روح المسيحية الحقّة . . وطمس معالم رسالة المسيح (عليه السلام) إلى درجة صوّرت معها للمسيحين أن بامكانها أن تغفر ذنوبهم ، وأن تدخلهم الجنّة مهما خالفوا ، ومهما فعلوا من جرائم وشرور ، بشراء براءات من الكنيسة يتعهّد فيها البابا بالمغفرة ، ومحو الذنوب لقاء مبلغ معيّن من المال . والذي يدرس نظام الحياة في الكنيسة ، ويتابع سيرة البابوات وسلوك القساوسة والرهبان ، يكتشف الدواعي الاساسية الكامنة وراء هذا التزييف والتلاعب بالقيم والمبادئ المسيحية التي دعا لها المسيح (عليه السلام) . فقد فعلت الكنيسة كل ذلك من أجل أن تجمع المال وتكدّس الثروة ، وتمارس صنوف اللّذة والاستمتاع المحرّم باسم الدين ، وتحت ستار التطهير من الذنوب; فأصدرت صكوكا وتعهّدات للمذنبين تنصّ فيها على: ربّنا يسوع يرحمك يا فلان ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة . . . وأنا بالسلطان الرسولي المعطى لي أحلك من جميع القصاصات ، والاحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها ، وأيضا من جميع الافراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها ـ مهما كانت عظيمة وفظيعة ومن كلّ علّة ـ وان كانت محفوظة لابينا الاقدس البابا والكرسي الرسولي . وأمحو جميع أقذار الذنب ، وكل علامات الملامة ، التي ربّما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة ، وأرفع القصـاصـات التي كـنت تلتزم بمكابدتها في الطهر ، وأدرك حديثا إلى الشركة في اسرار الكنيسة ، واقرنك في شركة القديسين ، ادرك ثانية إلى الطهارة ، والبر اللذين كانا لك عند معموديتك حتى أنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب ، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح وان لم تمت سنين مستطيلة .فهذه النعمة تبقى غير متغيّرة ، حتى تأتيك ساعتك الاخيرة باسم الاب والابن والروح القدس)(18). وانّ من يتفحّص هذا الصك يجد أنّ الكنيسة أباحت لاتباعها كل فعل ، ومقارفة محرمة مهما تكن عظيمة . . فبامكانهم ـ مع هذا التعهد ـ أن يتركوا عبادة الله ويأكلوا أموال الناس ، ويظلموا أخوانهم في الانسانية ، ويقترفوا شتّى المخالفات والاثام والذنوب; من كذب وزنى وغش وعدوان ، ثم يشتروا الصكوك البابوية التي تتعهّد بمحو الذنوب ، وادخال المسيحي المثقل بالذنوب والمعاصي إلى الجنّة . وهكذا يضع البابا نفسه في موضع الالـه الذي يغفر ويعفو ، ويدخل الجنّة ، وهو يدري أن لا حقّ له بذلك بل هو بشر كغيره من الناس ، لا يملك لنفسه نفعا ولاضرّا . . ولكنه يريد أن يجمع المال والثروة لاشباع شهواته ، وملذاته ، ويسير جهازه الضخم المرتبط بسلطته . وقد حمل القرآن الكريم على هذا السلوك الجشع الذي سلكه الرهبان والاحبار الذين حوّلوا المسؤولية الدينية ، إلى اقطاعية ماليّة جشعة ، تستغفل الذهنيات الساذجة ، وتمتص الدّماء ، وتستهلك جهود الانسان . . . حمل عليهم ليكشف طبيعة التكوين المزيّف لهذه الزعامة الدينية ، ويفضح الاهداف النفعيّة المتناقضة مع أهداف الدين ، ودعوته الاصلاحية الشاملة فقال:(يَآ أَيُّهاَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِّنَ اْلاَحبَار وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سِبِيِل الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيِل الله فَبَشِّرْهُم بِعَذَاب أليم) .(التوبة/34)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|