بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الاسلام دين البشرية


4 ـ مُحمد بشارة الانبياء

قدمنا في بحوث سابقة من هذا الكتاب أن رسالة الانبياء الكبرى ودعوتهم الجامعة هي «الدين»; فهم جميعاً بعثوا ليبشروا به ديناً واحداً هو دين الاسلام . . . دين الخضوع والاستسلام لامر الله ، دين الهداية والانقاذ للبشرية مع تفاوت في درجات التبليغ ، واختلاف في منهج التعبد والبناء الاجتماعي . . . ومع هذا التفاوت في الرسالات ، والدعوات الالـهية فان معالمها الرئيسية جميعاً تتركز في الرسالة الشاملة لهذ الدين ، رسالة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) .فهي جميعاً قبس من أنوار هذا الدين ، وتشكيله عقائدية ، وتشريعية من مادة هذا المنهاج الكبير . . . وهي جميعاً تسلك كخطوات تمهيدية ، ومبادئ تحضيرية لاعداد البشرية من أجل حمل رسالة هذا الدين والايمان بدعوته .. . . لذا كان طبيعياً أن يوجه الانبياء ـ أصحاب الرسالات الكبرى ـ كموسى وعيسى (عليهما السلام)أتباعهم إلى انتظار هذا الدين العظيم; لاعتناق دعوته ، والتصديق برسالته ، والايمان بنبيه «محمد» (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد أشارت الكتب الالـهية المقدسة ـ التوراة والانجيل ـ إلى مجيء هذا النبي العظيم ، موجهة أتباعها إلى انتظار الدين ،والانضواء تحت دعوته ، والتصديق برسالته .ولقد كان اليهود ينتظرون بعثة نبي يبعثه الله منقذاً وهادياً للبشرية ويعرفونه في كتبهم وتباشير مستقبلهم .
ولقد كانوا يصرحون بذلك وينتظرون بعثته لينتصروا به على العرب من الاوس والخزرج .
ولقد سجل القرآن هذه الحقيقة وذكر اليهود بها فخاطبهم بقوله:
(وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكَافِرينَ) .(البقرة/89)
ولقد حدثت أحداث ووقائع تاريخية مشهورة في التاريخ اليهودي من قبل مجيء محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دلت على ذات المعنى الذي أشارت اليه الاية الكريمة من بعد البعثة .
( . . . وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَّمَا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ . . .) .
فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الاية قوله:ـ (كانت اليهود يستفتحون أي يستنصرون على الاوس والخزرج برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب ولم يكن من بني اسرائيل كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه; فقال لهم معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء بن معرور ، يا معشر اليهود اتقوا الله واسلموا; فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد; ونحن أهل الشرك وتصفونه وتذكرون أنه مبعوث ، فقال سلام بن مِشكم أخو بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه ، وما هو الذي كنا نذكر لكم; فانزل الله تعالى هذه الاية .
وروى العياشي باسناده رفعه إلى أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام); فقال: كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مابين عَير وأُحُد; فخرجوا يطلبون الموضع فمروا بجبل يقال له حداد; فقالوا حداد واحد سواء فتفرقوا عنده; فنزل بعضهم بتيماء ، وبعضهم بفدك ، وبعضهم بخيبر; فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض اخوانهم فمّر بهم اعرابي من قيس فتكاروا منه ، وقال لهم أمرُّ بكم ما بين عَير وأحد فقالوا له اذا مررت بهما فآذِنا بهما; فلما توسط بهم أرض المدينة ، قال ذلك عَير ، وهذا أحد; فنزلوا عن ظهر إبله ، وقالوا له قد أصبنا بغيتنا; فلا حاجة بنا إلى ابلك ، فاذهب حيث شئت ، وكتبوا إلى اخوانهم الذين بفدك وخيبر: انا قد أصبنا الموضع ، فهلموا إلينا; فكتبوا اليهم: انا قد استقرت بنا الدار ، واتخذنا بها الاموال ، وما أقربنا منكم; فاذا كان ذلك فما أسرعنا اليكم ، واتخذوا بأرض المدينة أموالا ، فلما كثرت أموالهم بلغ ذلك ، تبّعاً ، فغزاهم ، فتحصنوا منه ، فحاصرهم ثم أمنهم فنزلوا عليه ، فقال لهم اني قد استطبت بلادكم ، ولا أراني الا مقيماً فيكم; فقالوا له: ليس ذلك لك ، انها مهاجر نبي ، وليس ذلك لاحد حتى يكون ذلك . فقال لهم: فاني مخلف فيكم من أسرتي من اذا كان ذلك ساعده ونصره ، فخلف حيين تراهم الاوس والخزرج; فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم: أما لو بعث محمد لنخرجنكم من ديارنا وأموالنا ، فلما بعث الله محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)آمنت به
الانصار ، وكفرت به اليهود . وهو قوله تعالى:
(وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتحون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا . . . إلى آخر الاية)(19).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com