اسم الكتاب: مفاهيم حضارية
1 ـ التحجّر العقلي والحرِّيّة :
إنّ منطلق التحرير عند الانسان هو العقل ، وعندما يتحرّر العقل من الجمود والتحجّر والخرافة ، ويتنوّر بالعلم والمعرفة والتربية القويمة، يكون الانسان ، قد امتلك الأداة الفعّالة لتحرير الذات ، واحترامها ، واحترام الذات وحفظ حقّها وحرِّيّتها ، لا يتحقّق إلاّ باحترام حقوق الآخرين وحفظ حرِّيّتهم . لقد دعا القرآن إلى تحرير العقل من الخرافة والجمود،كما دعاهُ إلى طلب العلم والمعرفة . وبهذه الدعوة انطلق العقل الانساني ، وتشكّل العقل المسلم ، فحقّق الانسان في ظلِّ هذه الدّعوة حرِّيّته ، كما حقّق الفتوحات العلميّة في مجال الطّبيعة والمجتمع والإبداع الثقافي .. نقرأ هذه الدعـوة في العـديد من الآيات والأحاديث الشريفة والممارسات الفعليّة .. قال تعالى : (... كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُون ). ( البقرة / 219 ) (قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْم يَفْقَهُون ). ( الأنعام / 98 ) (... وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ المُسَـخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ لاَيات لِقَوْم يَعْقِلُون ). ( البقرة / 164 ) (وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلْنّاسِ وَما يَعْقِلُها إلاّ العالِمُون ). ( العنكبوت / 43 ) (وَقُلْ رَبِّي زِدْنِي عِلْماً ). ( طه / 114 ) (يَرْفَعِ اللهُ ا لّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَا لّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات ).( المجادلة / 11 ) وهكذا تأتي دعوة القرآن إلى التفكّر والفهم الواعي وطلب العلم والاستزادة منه . وقد وعى المسلمون هذه الدعوة ، وتلقّوها ، ووضعوا اُسس العلوم والمعارف وأسّسوا مناهج البحث العلمي وعملوا على تحصيل العلم وتنوير العقل . ونقرأ في السنّة النبويّة الدعوة ذاتها لاحترام العقل وتوظيفه لهداية الانسان وتنوير حياته بالعلم والمعرفة والوعي . منها ما جاء عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) : «لمّا خلق الله العقل اسـتنطقه ، ثمّ قال له : أقْبِل فأقْبَل ، ثمّ قالَ له : أدْبِر فأدْبَر ، ثمّ قال : وعزّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً هو أحبُّ إليَّ منك ، ولا أكملتك إلاّ فيما أحبّ ، أما إنِّي إيّاك آمِر، وإيّاك أنهى، وإيّاك اُعاقب ، وإيّاك اُثيب»(1). وهكذا يُشخِّص الحديث أنّ العقل هو أحبّ مخلوق للخالق .. والعقل في هذا النص هو جهة الخطاب، وهو القوّة الموجِّهة والقائدة للإنسان والحياة . وعندما يُرفَع الحجر عن العقل، ينطلق مفكِّراً في اُفق الطبيعة والمادّة، كما ينطلق مفكِّراً في عالَم المجتمع والإنسان ، يكتشف القوانين ، ويحلِّل القضايا، ويستخلص الحقائق العلميّة، كما ينطلق في فهمه للعقيدة والرِّسالة الإلهيّة وفق الضّوابطوالقوانين السّليمة لفهم الرِّسالة الإلهيّة التي شخّصتها الرِّسالة ذاتها ، ومنحت العقل دوراً هامّاً في فهمها والاستنباط منها . قال تعالى : (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفالُها ). ( محمّد / 24 ) وبذا دعا إلى تدبّر القرآن تدبُّراً عقليّاً، وفهمه فهماً علميّاً موضوعيّاً. وبذا أعطى العقل صلاحيّة فهم القرآن ، وتدبّر معانيه ، فحرّر المعرفة القرآنيّة، وهي مصدر المعرفة الاسلامية، من التحجّر والتوقّف والجمود والخرافة . والعقل المقصود في القرآن ، هو العقل الطّبيعي ، أو العقل العلميّ بقوانينه ومنطقه السّليم .
|
|