بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  مفاهيم حضارية


2 ـ السّلطة والحرِّيّة :

لو تُرِكَ الانسان والطّبيعة من غير قوّة خارجية تسيطر عليه لكان حرّاً طليقاً حرِّيّة الطّير في الفضاء والأسماك في البحر . غير أنّ وجود التسلّط والطّغيان ، أو سيطرة الانسان القوي على الانسان الضّعيف هي التي تصادر حرِّيّته وإرادته عندما تتعسّف وتجور ، وتتحوّل من مهمّاتها الانسانية إلى أداة قهر واستبداد وتسلّط .
إنّ السّلطة في مفهومها الشّرعي والعقلي هي مؤسّسـة تملك حقّ استعمال القوّة بشكله المشروع لحماية المجتمع من الفوضى والظّلم والتسلّط والإضطهاد والعمل على تحقيق مصالحه ..
وهي القوّة المكلّفة بتوجيه الإنسان وحماية إرادته وحرِّيّته ، وتحقيق مصالحه المشروعة في الحياة ; وإذاً فهي القوّة التي تمثِّل إرادة الانسان ومصلحة الفرد والجماعة .
(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلَى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْل ). ( النِّساء / 58 )
(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِِ عاقِبَةُ الأُمُور ). ( الحج / 41 )
(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لاَ يُريدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين ). ( القصص / 83 )
وهكذا تقوم السّلطة في الاسلام على أساس الحق والعدل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بعيدة عن الظّلم والفساد والاستعلاء .
وفي الحديث عن السّلطة العدوانية الظّالمة التي تُصادِر حرِّيّة الإنسان وإرادته، وتسلِّط عليه الظّلم والإرهاب، وتعمل على استعباده، في الحديث عن كلّ ذلك يعرض القرآن سلطة فرعون كمثل مُعبِّر عن هذا النوع من الأنظمة والسّلطات .
جاء ذلك في قوله تعالى :
(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُم يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِين ).( القصص / 4 )
وفي هذا النص شجب واستنكار للظّلم والإضطهاد السياسي بسبب الفكر والعنصر واللّغة ، هذا الظّلم المجسِّد لأفضع ألوان الاضطهاد ، ومصادرة حرِّيّة الانسان وحقّه في الحياة .
وبذا يُكوِّن القرآن نظريّة العدل السياسي عندما يتحدّث عن الحكم والسّلطة والتمكين في الأرض ، ويفسح المجال لحرِّيّة الانسان السياسية ، ويحول بين تسلّط السّلطة وإرهابها ، وليس هذا فحسب ، بل ويسحب القرآن الشرعيّة من الحاكم الظّالم ويعتبره غير جدير بالحكم والقيادة . جاء ذلك في الحوار الإلهي مع إبراهيم (عليه السلام) :
(قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلْنّاسِ إِماماً ، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ، قَالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِين ). ( البقرة / 124 )
ويؤكِّد هذا المعنى قوله تعالى :
(وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى ا لّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار ). ( هود / 113 )
فالظّالِم لا يستحق عهد الإمامة التي مِن مهامها الكبرى قيادة البشرية ، كما لا يجوز الرّكون إليه . والرّكون للظّالِم هو تأييده وقبول أوامره ومواقفه ..
جاء ذلك في قول الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أفضل الجهاد كلمةُ حقٍّ عِندَ سُلطان جائر»(2) .
وورد عن الإمام جعفر الصّادق (عليه السلام) : «العامِل بالظّلم ، والمُعين له ، والرّاضي به ، شُركاء ثلاثتهم»(3).
وذلك يعني عدم مشروعيّة السّلطة الظالمة ووجوب مقاومتها .. وكم حمل القرآن على السلطات الظالمة وسمّى اُولئك المتسلِّطين بالطّاغوت والمستكبرين :
(أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت ). ( النحل / 36 )
(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيُؤْمِنُ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَها ... ). ( البقرة / 256 )
وللظّلم مفهوم واسـع في الفهم القرآنيّ .. فالكـفر والشِّرك ظلم ، ومصادرة حقوق الآخرين وحرِّيّاتهم ظلم، واقتراف الجريمة والانحرافات السلوكيّة ظلم .. وهكذا يتّسـع مفهوم الظّلم لمفردات عديدة بشـكل يختلف عن مفهومه المتداوَل اجتماعيّاً .
وتجسيداً لهذا المفهوم السياسي البنّاء ، أفتى أئمّة الهدى وفقهاء الشريعة بحرمة معونة الظّالِم ، وعدم مشروعيّة سلطته .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com