بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  مفاهيم حضارية


4 ـ الحرِّيّة الفرديّة :

ونقصد بالحرِّيّة الفرديّة ، حرِّيّة الفرد فيما يفعله ويختاره أو يتركه من سلوك فرديّ .
فالإنسان في مفهوم القرآن عالَم قائم بذاته ، له سيادته وإرادته وحُرمته وحقوقه ونوازعه ورغباته وأشواقه ومشاعره وآماله ومواقع راحته واستقراره وأمنه .
ولن يُحقِّق الانسـان وجوده الحقيقي إلاّ بالتعـبير عن الذّات .. إلاّ بالتعبير عن كل تلك الحقائق ، وعندما تُكبَت ذات الانسان ، وتُفرَض عليه القيود ، ويُمنَع من التعبير عن ذلك ، يعيش حالة الكبت والمعاناة والحرمان . وكم يعاني الانسان نفسيّاً وجسديّاً واجتماعيّاً نتيجة الكبت والمنع المفروض .
ونظرة القرآن إلى الانسان كما أسلفنا أ نّه كائن يحمل ميول ورغبات ومشاعر واستجابات ونوازع نفسيّة.. وتلك حقائق تكوينيّة قد أودعها خالِق الوجود في نفسه . ومن العدل أن يُعطى حرِّيّة التعـبير عنها .. وهذا التعبير الحرّ يتّسق وعدل الله وحكمته في الخَلْق ، فلم يكن الخالق الحكيم ليودع في نفس الانسان غريزة أو نوازع ومشاعر لها مطالبها وإلحاحها ثمّ يُحرِّم عليه الاستجابة لها، أو التعبير عنها، وحقّ إشباعها ; لذا جاءت القيم والتشريعات الاسلامية متجاوبة مع الفطرة والتكوين البشري جسديّاً ونفسيّاً .
وبذا يتّسق التشريع مع التكوين ، ويُعطى الانسان حرِّيّة التعبير .. وهذا التعبير هو تعبير ملتزم ومسؤول . والالتزام والمسؤولية هما غير الكبت ومصادرة الإرادة والحرِّيّة . فالالتزام والمسؤولية هدفهما تنظيم الدّوافعووسائل التعبير لحفظ مصالح الفرد والجماعة، أمّا الإباحيّةوالتحلّل السّلوكي فليست من الحرِّيّة; ذلك لأنّ هدف الحرِّيّة هو التعبير الطبيعي عن نوازع الذّات الفطريّة; كغريزة الجنس والبحث عن الأمن والاستقرار وحبّ الجمال والعلاقة مع الآخرين، وحبّ الذّات والحرص على مصالحه الشخصية دون المساس بكرامة الانسان وحقوق الآخرين .
ولم تكن الذّات الفطريّة لتبقى ذاتاً نقيّة خالية من الشّوائب ، والدّوافع الانحرافيّة التي يكتسبها الانسان من المجتمع ، أو مؤثّرات اُخرى . بل تعرّض للتلوّث والإنحراف ، لذا جاءت الرسالات الإلهيّة بمناهجها وقيمها لحفظ المجتمع الانساني ضمن خطّ الفطرة .
وقد حملت الرِّسالة الاسلامية المنهج العلمي الكامل للحفاظ على المجتمع وحمايته من الانحراف.
فمن تحليل البُنية التشريعية للأحكام الاسلامية ، نفهم أنّ هذا المنهج قسّم السلوك إلى ثلاثة أقسام أساسيّة :
1 ـ المُباح : وهو الدائرة الكبرى . فكلّ شيء مُباح للإنسان مالم يرد فيه منع ، والأصل الإباحة ، كما يقول علماء أصول الفقه .
ويوضِّح الإمام الصّادق (عليه السلام) هذه القاعدة بقوله: «كلّ شيء فيه حلال وحرام ، فهوَ لَكَ حلال حتّى تعرف الحرام منهُ بعينه فَتَدَعه»(4) .
وهذا الأصل يعني إطلاق الحـرِّيّة على مصراعيها للإنسان إلاّ ما ورد فيه تحريم .
بل ويستنكر القرآن مواقف المنع والتحريم الاعتباطيّة التي تشلّ حرِّيّة الإنسان ، وتحول بينه وبين الاستمتاع بطيِّبات الحياة . يستنكر ذلك بقوله :
(يا أَ يُّها ا لَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّموا طَيِّباتِ ما أَحلَّ اللهُ لَكُم ).( المائدة / 87 )
2 ـ الحرام : والدائرة الثانية من دوائر التشريع هي دائرة الحرام ، التي ليس للإنسـان حقّ تجاوزها . وهذا التحريم هو لخير الانسان وحماية شخصيّته ومصالحه وصحّته الجسديّة والنفسـية والاجتماعية والاقتصادية ; كتحريم الرِّبا والإحتكار والتلاعب بالأسعار في الجانب الاقتصادي منعاً لإساءة التصرّف في حرِّيّة الملكيّة الخاصّة .
وهذا التنظيم لحرِّيّة التملّك والمنع من التصرّف المطلق هو لحماية المجتمع من نزعة الجشع والأنانيّة والفوضى الاقتصاديّة .
وكتحريم الخمر والزِّنا والخلاعة والمجـون والشذوذ الجنسي . وهو لحماية حياة الفرد والجماعة من أخطر الأمراض الفتّاكة والجرائم الناتجة عن تلك الممارسات، وآثارها المؤثِّرة على صعيد الفرد والاُسرة والمجتمع ... إلخ .
لذا وضّح القرآن حقيقة التحريم بقوله تعالى :
(قُلْ إِنّما حَرَّمَ رَبِّي الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَن ). (الأعراف/33 )
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِث ). ( الأعراف / 157 )
فالتحريم إذاً لحماية الانسان ، وحفظ مصالحه ، وليس كبتاً للحرِّيّة الخاصّة ومصادرة لنوازعه الفطريّة .
3 ـ الوجوب : والمساحة الثالثة من مساحات التشريع الاسلامي هي الوجوب ، وبالوجوب يحدِّد التشريع الاسلامي مسؤوليّة الانسان تجاه نفسه وربّه ومجتمعه وأسرته والانسانيّة ، وعالَم الطبيعة والأحياء من حوله . وبعبارة اُخرى لتحديد مسؤوليّاته التي لا تسـتقيم الحياة والآخرة بدونها ، فهي لجلب المصالح ودرء المفاسد .
فتشريع الوجوب جاء لجلب المصلحة ، كما شرّع التحريم لدرء المفسدة .
ولذا لخّص علماء أصول الفقه ملاك التشريع بقولهم :« جاء الإسلام لجلب المصالح ودرء المفاسد».
وعلى هذا الأساس درسوا قضيّة الملاك في الحكم . ففي كل حكم وجوبي أو تحريمي ملاك . أي: وجود مصلحة أو مفسَدة موجبة لتشريعه; ولذا أيضاً قالت الشيعة الإماميّة والمعتزلة بأنّ الحُسْن والقُبْح ذاتيّان ، أي أنّ الأفعال الانسانية والأشياء تحمل وصفاً ذاتيّاً من الضّرر والنّفع. والمشرِّع سبحانه وضع الأحكام وِفْقَ طبائع الأشياء . فيصف الضّار ضرراً مؤكّداً بالمحرّم، كما يصف النّافع نفعاً يجلب تركه الضّرر بالواجب .
وهكذا يكون التشريع والحرمة والوجوب تشخيص لحقائق الموضوعات والسلوكيّات الانسانية ، وليس مسألة اعتباطيّة لا تقوم على اُسس علميّة ، أكّدتها الدراسات العلميّة من الطِّبّ والإقتصاد وعلم النّفس والإجتماع ، كما تشهد لها الأرقام الإحصائيّة المختلفة .
وهكذا يتّضح مفهوم الحرِّيّة في الاسلام ، كما يتّضح مفهوم الممنوع، وأسباب المنع هي لجلب المصالح ودرء المفاسد ، وهي بالتالي لحماية الانسان وحفظ وجوده وكرامته وحرِّيّته ، وليست مُصادَرة لحرِّيّة الانسان ، أو كبت مشاعره ورغباته المشروعة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com