بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  مفاهيم حضارية


العقل والقناعة العلمية هما الطريق إلى الإيمان

وكما تحدّثنا بإختصار عن عقلانيّة الاسلام،وأ نّه عقيدة تقوم على القناعة العلمية والمعرفة، ولا قيمة للإيمان في الإسلام إلّا إذا بُني على أساس العلم والوعي والمعرفة;لذلك جاءت دعوة القرآن إلى التفكير والتأمّل في عوالم الكون ـ الطبيعة والحياة والذات البشرية ـ لمعرفة الله والرسالة الإلهيّة... ولذلك جاء البيان القرآني بأنّ لا قيمة للإكراه على عقيدة أو فكرة ..
قال تعالى :
(لا إكْرَاهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بالطّاغُوتِ ويُؤْمِن باللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بالعُرْوَةِ الوثْقى لا انْفِصامَ لَها واللهُ سَميعٌ عَلِيم ). ( البقرة / 256 )
وقال تعالى مُخاطِباً نبيّه :
(وَلَو شاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ في الأرْضِ كُلُّهُمْ جَميعاً أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حتّى يَكُونوا مُؤْمِنين ). (يونس / 99 )
وقال سبحانه :
(لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِر ) . ( الغاشية / 22 )
(وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلْظّالِمِينَ نارَاً أحَاطَ بِهِم سَرَادِقُها ... ). ( الكهف / 29 )
في هذه الآيات يريد القرآن أن يوضِّح أنّ الإيمان الصادق لا يكون بالإكراه ، بل بالدليل والبرهان العلمي والوعي لمضمون الرسالة ، وأنّ الإنسان هو الّذي يختار طريقه ، وهو مسؤول عن هذا الإختيار ، وسيقوده اختياره إلى السعادة والنعيم ، أو إلى الكارثة والشّقاء والعذاب .. من ذلك نفهم أن الإسلام كعقيدة لم يقوم بالسيف والقهر والقوّة ، كما يحاول خصوم الإسلام تصويره ، وإنما استعمال القوّة والجهاد للدفاع عن الإسلام الحق ، وإزالة الحواجز الّتي يضعها الطواغيت في طريق العقل ، وفي طريق الإنسان المستضعف ليفسح المجال أمام رسالة الحق ومبادئ الخير الّتي بشّر بها القرآن لأن تأخذ طريقها .. ثبّت علماء العقيدة (علماء الإسلام) ثلاثة مبادئ أساسيّة توضِّح هذا المنهج العلمي الفريد مستمدِّينها من القرآن والسنّة وأدلّة العقل ، وهي :
1 ـ وجوب النظر ، أي وجوب التفكير وحصول الدليل العلمي ، وبأيّ مستوى للوصول إلى معرفة الله تعالى .
2 ـ وبنوا على الأصل الأوّل أن لا تقليد في اُصول الدِّين ، بل يجب تحصيل القناعة الذاتية بالإيمان بالله سبحانه، وبما جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) .
3 ـ أن مصدر الإيمان بالرسالة الإلهيّة هو العقل .
قال العلاّمة الحلِّي ، موضِّحاً هذه الحقائق الثلاثة : «أجمع علماء الإسلام كافّة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية ، وما يصحّ عليه ، وما يمتنع عنه ، والنبوّة والإمامة والمعاد ، بالدليل لا بالتقليد»(29) .
وعلّق الشارح على نصِّ العلاّمة الحلِّي هذا بقوله : « ... ولمّا وجبت المعرفة ، وجب أن تكون بالنظر والإستدلال ... » (30) .
ثمّ عرّف النظر بقوله : «والنظر هو ترتيب اُمور معلومة للتأدِّي إلى أمر آخر ... » (31) .
ثمّ قال الشارح:«ولا يجوز معرفة الله بالتقليد،والتقليد هو قبول قول الغير من غير دليل»(32).
وكم عرّف القرآن بقيمة العلم ووجوب أن يبنى الإيمان على العلم ، قال تعالى :
(إنّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ ) . ( فاطر / 28 )
وقال سبحانه :
(وإذا سَمِعُوا ما اُنْزِلَ إلى الرّسولِ تَرى أعْيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ ) . ( المائدة / 83 )
ورفض إيمان الجهال المتزعزع ووصفه بقوله :
(ومِنَ النّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْف فَإنْ أَصابَهُ خَيْرٌ إطْمأنَّ بِهِ ، وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَة ... ) .( الحج / 11 )
وفي وصف القرآن لإيمان الأعراب الّذين تعاملوا مع قيم القرآن ودعوته العلمية الفذّة تعاملاً سطحيّاً يقوم على أساس الجهل ... في هذا الوصف نقرأ :
(قالَتِ الأعْرَابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِن قُولُوا أَسْلَمْنا وَلمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُم ) . ( الحجرات / 14 )
والإسـتقراء التأريخي يشهد بأنّ الانسـان قد تفاعل مع الرّسالة الإسلامية وآمن بها واعتقدها بدافع العقل والقناعة ، ويشهد القرن العشرون حركة الدخول في الاسلام في أفريقيا وأوربا وآسيا وأمريكا واستراليا وفي كل منطقة من العالَم ، وبشكِّل مُلفت للإهتمام والدراسة والتحليل ، وسيشهد القرن القادم مع ثورة المواصلات التكنولوحية تحوّلاً كبيراً في الاقبال على الاسلام، بعد فشل الحضارة المادِّيّة في حلِّ مشاكل الإنسان...لقد أسلم الملايين من الناس في هذه القارات في هذا القرن عن طريق الدعوة الفكرية والتعرّف العلمي على الإسلام..
ومن المفيد أن نعرِّف بنماذج نوعية من الشخصيّات العلميّة والسياسيّة الّتي وعت الإسلام وتعرّفت عليه فآمنت به ، أو دعت إلى احترامه وتفهّمه ..
إنّ الحقائق اليومية تكشف أنّ الإسلام هو دين المستقبل ، وأنّ الإنسان كلّما اتّجه اتّجاهاً عقلياً وعلمياً يقترب من الإسلام حتّى إذا اكتشف حقائق الإسلام آمن به ، وهو ما يجري الآن في عالم الغرب .
ونستطيع أن نقرأ وبشكل موجز هذه الحقيقة الكبرى في خطاب الرئيس الألماني (رومان هوتسوغ) الذي ألقاه بمناسبة تكريم السيدة (آنا ماري شمل) في 10/1/1995 م ، المستشرقة الألمانيّة المنصِفة في حفل تسلّمها جائزة السّلام من (رابطة الكتاب الألماني) .
قال رادّاً على المعارضين لمنح (شِمل) جائزة السّلام; لأ نّها تناصر الفكر الاسلامي، وتتعامل معه بإنصاف، وتدعو الى فهمه وتغيير الصورة الشوهاء التي كوّنها الإعلام الأوربي عن الاسلام والمسلمين .
قال:«وهناك ظاهرة تبدو واضحة في علاقاتنا وتعاملنا مع الاسلام في عصرنا الحاليّ. إنّنا لا نتجنّى على الرأي العام الألماني إذا قلنا أنّ ما ينعكس في مخيّلة الكثير منّا عند ذكر الاسلام إنّما هو (قانون العقوبات اللاّ إنساني) أو (عدم التسامح الديني) أو (ظلم المرأة) أو (الاُصولية العدائيّة) ولكن هذا ضيق أفق يجب أن نغيِّره، فلنتذكّر بالمقابل موجة التنوير الاسلامي التي حفظت للغرب قبل ستة أو سبعة قرون أجزاء عظيمة من التراث القديم، والتي وجدت نفسها
آنذاك أمام نمط من الفكر الغربي، لا شكّ أنّها شعرت أ نّه أصولي وغير متسامح»(33).
وفي مقطع آخر من خطابه يُوضِّح الرئيس الألماني سبب العداء للاسلام،هو جهل الأوربيين
بالاسلام ; لذا نجده يتساءل في خطابه :
«أ لَيْسَ محتملاً أن يكون سبب عدم تفهّمنا للإسلام هو رسوخه على أسس عميقة من التديّن الشعبي بينما نحن إلى حدّ كبير في مجتمع علماني؟وإذا صدق ذلك فكيف نتعامل مع هذه الاشكالية ؟
هل يحقّ لنا أن نصنِّف المسلمين الأتقياء مع (الأُصوليين الارهابيين) فقط لمجرّد افتقادنا نحن للإحساس السّليم تجاه الاستهزاء بالمشاعر الدينية للآخـرين ، أو لكوننا لم نعد قادرين على التعبير عن هذا الاحساس السليم»(34).
ثمّ يعترف الرئيس الألماني بعدم معرفته بالاسلام بشكل أفضل إلاّ بعد الاطلاع على كتب المستشرقة المنصفة (شِمل)، قال :
«لم يبدأ اطّلاعي على تلك التعدّدية والتنوّعية الهائلة في نطاق الاتجاهات الاسلامية في تأريخ الاسلام وواقعه المعاصر بادئ ذي بدء إلاّ من خلال كتب(آنا ماري شِمل)،وربّما مرّ سواي بنفس هذه التجربة.انّنا بحقّ في حاجة الى تعويض ما فوّتنا على أنفسنا من فهم بعضنا بعضاً...»(35) .
ثمّ يدعو الرئيس الألماني الى فهم الاسلام لتحديد موقف آخر منه غير الموقف الذي بُني على الجهل به، قال :
«أقرِّر أ نّه لا يوجد أمامنا خيار آخر سوى زيادة معرفتنا بالعالم الاسلامي، إذا أردنا أن نعمل من أجل حقوق الانسان والديمقراطية»(36) .
ثمّ يقول : «إنّ السبب الحقيقي للتشوّق لمعرفة الاسلام والتعرّف على حضارته الغنيّة إنّما ينبع من انتمائنا إلى حضارة مغايرة له. لقد أيقظت السيِّدة شِمل هذا الشوق في نفسي، وأتمنّى أن يكون هذا هو حال الكثير سواي ...»(37) .
«ولقد مهّدت لنا آنا ماري شِمل هذا الطريق للّقاء بالاسلام...»(38) .
إنّ معركة منح جائزة السّـلام في ألمانيـا للمستشرقة (شِمل) عام 1995 م ، واتّفاق الرأي العام السياسي والمثقّف من رجال الفكر والاعلام والاستشراق والفن والأدب في ألمانيا، التي تعتبر من أهم دول العالم في التاريخ المعاصر، وانتصار جبهة (شِمل) التي تعني انتصار التيار الدّاعي إلى تفهّم الاسلام لتحديد الموقف منه ، ومن هؤلاء الطّبقة المتقدِّمة من المفكِّرين والسياسيين وفي طليعتهم الرئيس الألماني الذي قرأنا عبارات هامّة من خطابه كشفت لنا أنّ تلك المعركة الحضارية التي جرت في ألمانيا وحسمت لصالح الداعين إلى فهم الاسلام لتؤكِّد لنا عظمة الاسلام واستعداد الانسان مهما كان بعيداً لأن يتفهّم ويتقبّل الاسلام .
فهذا البروفسور الهندي محمّد عزّ الدين ناشكانتا بادهيايا يتحدّث لنا عن قصّة اسلامه ، بعد دراسات معمّقة ومقارنة للأديان ، فقال :
«ومع أنِّي كنتُ قد أدركتُ منذ بعض الوقت ، نبل الدين الإسلامي وعدالته ، ولكن الشروط والعناصر الخارجية لم تسمح لي بادئ الأمر بإشهار إسلامي ، إلى أن فعلت ذلك فيما بعد بكل صراحة ، في لقاء عام ، حيث تحدّثتُ تحت عنوان «لماذا اعتنقت الإسلام ؟ » ، وحدّدتُ الأسباب الأساسيّة الثلاثة الّتي دفعتني للإسلام ورغّبتني فيه وهي :
1 ـ صحّة أو دقّة التاريخ الإسلامي ، إذ أ نّه الدِّين الوحيد الّذي يمتلك وثيقة دامغة وصحيحة من وجهة نظر تأريخيّة .
2 ـ تناغم الدِّين الإسلامي وانسجامه في آن معاً مع الحكمة والعلم .
3 ـ الدِّين الإسلامي دين عملي ـ لا خيالي ـ .
هذا بالإضافة إلى أنّ الإسلام يتواءم وينسجم مع احتياجات الإنسان في كل العصور ، وأ نّه منسجم مع الثقافة والمعرفة»(39) .
ومن الّذين اعتنقوا الإسلام بعد الفهم والدراسة هي السيِّدة الإسترالية (فيلما وليم) بعد أن شاركت في التبشير خمسة عشر عاماً . تقول فيلما وليم :
كان هناك كثير من الرؤى قد استقرّت في عقلي ووجداني للتشكيك فيما أنا وهؤلاء البشر عليه من استغلال للإنسان المخالف لهم في اللّون والعقيدة في سبيل تحقيق مصالحهم الخاصّة . ثمّ كيف يكون لله ابن ؟ لماذا نتحمّل خطيئة أبينا آدم ؟ ولماذا تحتاج ذنوبنا إلى مَن يُكفِّرها ، وذلك بأن يرسل الله «ابنه» ليفتدي البشر . ولماذا يتميّز الأبيض على الأسود ؟ ولماذا هذه التوجّهات العنصرية ضدّ الفلسطينين وهم الّذين سلبت أراضيهم وشردوا ، وتعجّبت ممّا في العهد القديم من مغالطات ، خاصّة الإدِّعاء بأنّ قابيل قتل هابيل بسبب لونه الأسود ، وبالتالي يجب على السود أن يدفعوا ثمن خطيئة قابيل مدى الحياة !
ثمّ تحدّثت عن كيفيّة تعرّفها على الإسلام ، فقالت :
«حدث هذا أثناء إحدى جولاتي التنصيرية ، إذ ذهبتُ إلى إحدى الاُسَر الفلسطينية المسلمة المقيمة في استراليا متحدِّثة إليهم عن النصرانية، فإذا بهم يقرأون عليَّ معاني سورة «مريم» بالإنكليزية، فلم أتمالك نفسي وانتابتني نوبة من البكاء الشديد ، ومنذُ تلك اللّحظة استقرّ الإسلام في قلبي ، فتوجّهتُ للكنيسة ، وأعلنتُ فيها اسلامي ، فقاطعني أهلي نحو عامين ، إلاّ أ نّني لم آبه لذلك ، وانقطعتُ لدراسة الإسلام والقرآن خمس سنوات ، والتحقتُ بالجامعة لأوكِّد لنفسي حسن اختياري ، ثمّ درستُ العقائد المخالفة، وعندمـا قرّرتُ إعلان الشّهادة، ذهبتُ إلى مركز إسلامي يبعد 80 كيلومتراً، وهناك تعلّمت كيف أؤدِّي فرائض الإسلام، وارتديتُ الزّي الإسلامي، وبدأتُ رحلة في دراسة العلوم الشرعية ، ثمّ تفرّغت للعمل التبليغي ، داعية إلى الإسلام» (40) .
ويتحدّث المحامي الأيطالي عن قصّة اسلامه فيقول :
«إسمي روزايو باسكويني،عمري53سنة،مارستُ المحاماة مدّة عشر سنوات،ابتداءً من عام 1957م،عملتُ أوّلاً في السياسة ثمّ بدأتُ دراسة الأديان للبحث عن الحقيقة،وكان ذلك عام 1970م،وقد تعرّفتُ عام1973م على شخص مصري،تعرّفتُ من خلاله على بعض مبادئ الإسلام.ثمّ دخلتُ معه في نقاشات موسّعة،ثمّ دراسات معمّقة أدّت إلى اعتناقي الاسلام.
كنتُ أعيش مثل كلّ الغربيين ، لا عقيدة لي . كنتُ كاثوليكياً غير مُلتزم، علمانيّاً، ثمّ اتّجهتُ بادئ الأمر اتّجاهاً يمينياً ، وانتميتُ إلى الحزب الديمقراطي المسيحي ، ثمّ عدلتُ لالتزم أقصى اليسار، فانتسبتُ إلى الحزب الشيوعي المتطرِّف . لكنّني لم أجد كبير فرق بين الطروحات . فقط الأسماء تختلف إلاّ أنّ كلا الاتّجاهين في الحقيقة يهدفان إلى استعباد الإنسان ، كما أ نّهما لا يقدِّمان أيّ حلول لمشاكل البشريّة .
لقد حصل انقلاب كبير في حياتي.أصبحت نفسي عامرة بالإيمان وبدأتُ أشعر باطمئنان نفسي كبير.ابتعدتُ عن شرب الخمر فوراً وكذلك التدخين،وأخذتُ أشعر بأنِّي أتغلّب على الغريزة،وإنِّي أمتلك رصيداً كبيراً يمكِّنني من مواجهة صعوبة الحياة الغربية وقذارتها،كما أنّ نظرتي للحياة ولمفهوم الحياةاختلف بشكل جذري،وقد توّجتُ ذلك بأداء فريضةالحج هذا العام.
وقد تمكّنتُ حتّى الآن من إقناع400شخص بالفكر الإسلامي وقد اعتنقوا جميعاً الإسلام، وهم الآن يُطبِّقونه،ويلتزمون به بجدّ وإخلاص،وأنا الآن اُواصل جهودي في الدّعوة وأسأل الله التوفيق.
كما وجّهتُ دعوة مفتوحة للإيطاليين للمجيء إلى المركز كل يوم أحد لتعريفهم بالإسلام على طريقة سؤال وجواب ، وهذه الطريقة أثبتت فعاليتها والحمد لله ، ونحن نستقبل دائماً عدداً كبيراً من الباحثين عن الحقيقة .
وانّ حوالى 3 ـ 4 آلاف شخص إيطالي اعتنقوا الدِّين الإسلامي حتّى الآن .
اُلاحظ أنّ العدد قليل قياساً إلى فرنسا ، مثلاً ، حيث أسلَمَ حوالى 200 ألف فرنسي ، مع ملاحظة أنّ عدد السكّان متماثل في كلا البلدين ؟ » .
وفي حديث البروفسور الأميركي ريكيفول عن إسلامه يقول :
«إنّ يُسر الإسلام ، وعظمة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) سبب هدايتي (41) .
وثمّة أسباب كثيرة جذبتني ودفعتني نحو الإسلام ، بعضها واضح ومؤكّد ، وبعضها يستدعي البحث في عمق النفس البشريّة .
عندما رجعتُ إلى القرآن وسيرة محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) للاطلاع عليهما ، أثارت اهتمامي نقاط واُمور معيّنة : بساطة الدِّين الإسلامي وسماحته ويسره . فهذا الدِّين ليس معقّداً ومَن يفهمه ويستوعبه عن طريق العقل والتدبّر في الخلق . ويأخذ هذين الأمرين بنظر الاعتبار يغدو الانسان مؤمناً حقيقياً بالله تعالى . وحين يعرف المرء خالقه ويقرّ بوجوده فإنّ الإسلام يعلّمه : (وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيد )سوره ق : 16 .
انظر كيف يتحدّث القرآن الكريم عن الله تعالى : (وإذا سَألَكَ عِبادي عَنِّي فإنِّي قَريبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ) سورة البقرة : 186 .
وعلى هذا ، وبناءً على روح الدِّين الإسلامي ، فليس ثمة حاجة لوسيط بين الله وعباده ، كما أ نّه لا حاجة لوجود قسِّيس أو رجل دين
لكي تُقبَل التوبة أو لكي يتم أداء الصّلوات.(وللهِِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ، فأيْنَما تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)سورة البقرة : 115 .
وموقف الإسلام إزاء أعدائه ومعارضيه ، سواء زمن السلم أو الحرب ، وسواء تجاه اليهود أو المسيحيين ، والتسامح الّذي قابله به هما من الرّوعة بحيث انجذبت إلى الإسلام تلقائياً .
والطّابع الإنساني في كلّ الأحكام الإسلامية وكذلك في تعاليمه،هو واضح ويبعث على الإعجاب.
فكلّ الناس هم متساوون أمام الله ، رغم كلّ الفوارق الّتي تفصل بينهم. وما مِن أحد مُفضّل أو متفوِّق على الآخر بسبب جنسه أو ثروته أو لونه . الكرامة والفضيلة فقط هما اللّتان تمنحاننا التفوّق والفضل .
والأغنياء مُلزَمون شرعاً بدفع الزّكاة عن أموالهم للفقراء والمعوزين.
ولا يعيق الإسلام المؤمنين به عن التقدّم في طريق الحضارة والرّقي ... بل يأمرهم أن يتّبعوا بشكل عقلاني ركب التقدّم والثقافة .
والإسلام لا يحرِّم الإفادة من الحـياة(وابْتَغِ فيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنيا) القصص : 77. ( قُلْ مَن حَرَّم زينةَ اللهِ الّتي أخرجَ لِعبادِهِ والطّيِّبات مِنَ الرِّزْق ) الأعراف: 32».
وهذا الصحفيّ الفرنسيّ الشّهير «تيري دو بومون» يروي قصّة إسلامه فيقول(42) :
«كان نسيبي(الكونت دو)يجسِّد بالنسبة إليَّ التراث الفرنسي،أو بمعن أدق(فرنسا الملكيّة) ببلاطها وجهازها الكهنوتي وما إلى ذلك.وقد كان فيما مضى يشغل منصب مدير مكتب البابا
بولس السادس وهو معروف بحبِّه الشّديد للعلوم الدينية والماورائية ، كذلك بولعه البالغ باقتناء التحف الفنيّة والتماثيل وغيرها .
وغالباً ما كان يُحدِّثنا في الجلسات العائلية ، عن تفاصيل اللّوحات الشّهيرة وخاصّة اللّوحات التي تُظهِر السيِّدة العذراء كتلك الموضوعة في الكنائس ، ويعود بنا في أحاديثه إلى أسـاطير وروايات الأزمان الغابرة ، خاصّة ما يتعلّق منها بأخبار القدِّيسين والكهنة .
وحصلت المفاجأة الكُبرى أثناء إحدى الولائم العائلية عندما وقف فجأة وصرخ : (يسوع ابن الله، مريم والدة الله) ، هذا كلام سخيف لم يعد باستطاعتنا تحمّله ، إنّه مُؤلِم . دعكم من كلِّ هذا . ليس لله اُمٌّ ولا ولد . ليس من المعقول أن ينزل الله إلى الأرض ويعيش في الشوارع يوزِّع الأعاجيب على سكّان القدس .
وهنا بُهِتَ الموجودون، وعلت الدّهشة الوجوه، وحاروا في اُمورهم. فأعلن (الكونت دو) أ نّه ترك المسيحية واعتنق الاسلام .
وهكذا انضمّ إلى القافلة الكبيرة التي منها : (الكومندان كوستو) ، (موريس بيجار) ، (روجيه غارودي) ، (دوران سـوفلان) ، (فانسـان مونتيل)، والتي تحوّلت إلى الاسلام. وأنا أيضاً اعتقدتُ أنِّي سوف أتحوّل قريباً : مفكِّرون ، فنّانون ، مُغامِرون ، يتحوّلون بالعشرات ، والشباب بالمئات .
دفعني الفضول لزيارة (الكونت دو)، فذهبتُ إليه. داره أشبه بمتحف: رسوم قديمة ، تحف تاريخـية تعود للقرن الثامن عشر ، تماثيل ، وهي بالحقيقة تدعو للذّهول. أخرجني (الكونت) من تأمّلاتي ، وهو يدعوني لزيارة غرفة صلاته ، فسرتُ وراءه في دهليز مُظلِم ينتهي بغرفة ، فتحها وإذا فيها كرسي واحد وسجّادة . أمّا الجدران فكانت مزدانة بصور بعض علماء المسلمين . وبعض أشهر المفكِّرين عندهم . تناول (الكونت) مصحفه وقال : الاسلام هو آخر الديانات ، وهو يعترف بالمسيحية واليهودية كونهما ديانتين سماويّتين فيحترمهما ويجلّ أنبياءهما. وبدأ يحدِّثني عن الاسلام . لقد كان (الكونت) مقتنعاً . فبدأتُ تراودني أفكار : فلعلّ الاسلام يكون هو الجواب على كلّ تساؤلاتي العقائدية الّتي بدأت بعد أن تخلّيتُ عن الايمان بالمسيحية . فأنا أصلاً لم أكن مُقتنعاً بالإنجيل الحالي ولا باُلوهيّة المسيح ، ولا بكلِّ تلك الاُمور الّتي كانوا يجبروننا على الاقتناع بها. منذ سنوات وأنا أبحث عن الحقيقة، وها أنا الآن أشعر وكأنِّي قد وصلت. كنتُ أكره أشياء في تعاليم الكنيسة: عبادة صور القدِّيسين والصِّلبان ، النظام الطّبقي الكهنوتي ، الأعاجيب الخرافيّة ، من هذا المنطلَق قرّرتُ دراسة الاسلام .
لقد كان عندي في الماضي بعض المخاوف من الاسلام ، إلاّ أنّ كلّ شيء انمحى أمام حرارة وصدق هؤلاء المسلمين ..
لقد أدخلوني فجأة في العالَم الرّوحاني الّذي كنتُ أبحث عنه منذ زمن .
وهكذا وجدتُ نفسي متحوِّلاً إلى الاسلام .
والفضل يعود إلى (أيّوب) ، الّذي طلّق زوجته فداءً لعقيدته . لقد اُعجِبْتُ به كثيراً ، واُعجِبْتُ بصلابة إيمانه ، فأحسستُ بانشراح كبير في نفسي . ومن ثمّ بدأتُ بتعلّم القرآن كما تعلّمتُ أن اُصلِّي بمُفردي .
والحقيقة أحسستُ أنّ لي رغبة قويّة بالتخلِّي عن كلِّ ما هو عمل ومنافسة في الحياة وتراكض وراء المال ، والتفرّغ (كلِّيّاً) إلى الله .
وفي يوم من الأيّام فتحتُ الرّاديو على إحدى المحطّات التي تبثّ أحياناً برامج عربيّة ، فإذا بي أمام نقاش بين المذيعة وإحدى النِّساء تُسمّى (تقيّة) ، وتمثِّل إحدى الجمعـيّات الجديدة : أصدقاء الإسلام ( Amis de l'islam ) كان النِّقاش يدور حول الحبّ والزّواج في الإسلام وحول الأخلاق الاسلامية في الحياة الزوجيّة .
فاندفعتُ تلقائيّاً نحو الهاتف ، أتّصل بدار الإذاعة أطلب موعداً للّقاء مع (تقيّة) .
منذ بدأتُ دراستي للإسلام كان موضوع تحوّل النِّساء الفرنسيّات إلى الإسلام يحيِّرني ، خاصّة أنّ عددهنّ وصل إلى ما بين 75 إلى 100 ألف امرأة. كنت دائماً أتساءل: كيف يمكن لامرأة فرنسية، بدأت تحصل على نتائج مطالبتها بتحرير المرأة والمساواة منذ عشرات السنوات ، أن تتحوّل إلى ديانة تهضم حقوق المرأة حسب آرائهم ؟ التقيتُ مع (تقيّة) في دارها ، فوجدتها تعيش مثل (أيّوب) على الطريقة العربية بلباسها وترتيب بيتها، وكانت لوحة كبيرة تحتوي سور القرآن بأحرف صغيرة تتصدّر غرفة جلوسها .
حدّثتني عن قصّة إسلامها منذ ذهابها إلى الجزائر للعمل وحتّى عودتها إلى باريس وزواجها من أحد الجزائريين المسلمين .
انتهى لقائي بـ (تقيّة) ، فخرجتُ وأنا أبدي إعجابي بها وبإيمانها كما ازدادت القناعة عندي ووثقت بوجوب اعتناق هذا الدِّين .
إنّ قراءة هذه النماذج ومئات الآلاف من أمثالها من الّذين وعوا الاسلام واعتنقوه عن فهم وقناعة علميّة وحضاريّة وبمختلف مستوياتهم من الّذين يعيشـون في عمق الحضـارة الغربيّة ليشهدون على تداعي هذه الحضارة المادِّيّة المزيّفة ، ويمثِّلون أفضل الأدلّة على أنّ الاسلام دين العقل والعلم والحضارة ، وأ نّه ملجأ الانسان ، ومصدر سعادته»(43).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com