اسم الكتاب: الإنسان والجاهلية
2 ـ الانحراف النفسي والوجداني:
تتسم الجاهلية بمختلف عصورها ، وشتى مظاهر وجودها ، بأنها تقوم على أسس نفسية ، ووجدانية شاذة ، ومنحرفة ، ذلك لان الفطرة النقية ، والاتجاه النفسي السليم لا يتقبل الشذوذ والانحراف ، ولا يساعد إلاّ على نمو الأيمان ، وتقبل فكرة الاستقامة ، والاتزان السلوكي . بعكس النفسية المريضة . . والشخصية المعقدة ، فانها تنزع دوماً إلى الخروج عن خط الاتزان والاستقامة النفسية التي ينتهجها خط الأيمان . . فالشخصية المنحلة التي تعاني من الازدواجية ، وضعف الارادة . . أو الشخصية المصابة بالغرور ، أو الحقد ، والكبرياء ، والانانية ، أو الشذوذ الجنسي ، والغريزي . . الخ . ان مثل هذه الشخصية المريضة التي تعاني من فقدان التوازن الداخلي ، وتعيش حالة من الاضطراب والضياع ، تتجه دائماً إلى المنهج الجاهلي بعد أن وجدت فيه الفسحة والمتسع للتنفيس عن عقدها المرضية ، وانحرافها النفسي ، وقد تحدث القرآن الكريم كثيراً عن طبيعة هذه الشخصية المريضة ، وقام بتحليل تركيبها وتصوير محتوى أغوارها ليزود الإنسان بالوعي ، وبالفهم الاجتماعي الذي يجنبه الوقوع في هذه الهوة السحيقة ، قال تعالى: (في قُلوِبِهم مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) .(البقرة/ 10) (وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانُظْر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).(النمل/ 14) فالقرآن هنا بتشخيصه وتحليله يضع أيدينا على موضع الداء ، ومنطلق الانحراف . . الوجداني ، والمرض النفسي الذي يعاني منه الإنسان الجاهلي ، فيصد بتأثيره عن الحق والهدى على الرغم من وضوح الحق له ومعرفته به ، تنكراً له . . وتكبراً واستعلاءً عليه ، أو رغبة في التحلل ، والانفلات من قواعد الاستقامة النفسية ، والمعقول السلوكي السديد ، وكم كان دقيقاً ، وعميقاً تشخيص الإمام علي(عليه السلام)، ووصفه لهذه الوضعية النفسية والاخلاقية، الجاهلية المريضه حين قال: ((استهوتهم الاهواء واستزلتهم الكبرياء ، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء)) . ((صدقه به أبناء الحمية ، واخوان العصبية ، وفرسان الجاهلية)) . ((فاطفئوا ما كمن في قلوبكم من نيران العصبية ، وأحقاد الجاهلية)) . فها هي الجاهلية في كل عصر وجيل تتسم بالاحقاد ، والعصبية ، والكبرياء ، والحمية المتزمتة ، وتتميز بالانحراف ، والشذوذ الاخلاقي والنفسي .
|
|