اسم الكتاب: الإنسان والجاهلية
3 ـ الانحراف السلوكي:
ومن المرتكزات الاساسية التي تساهم في خلق وتمييز الفرد والمجتمع الجاهلي هي حالة الانحراف ، والشذوذ السلوكي . . فالانحراف عن الاستقامة ، والولوغ في الممارسات والمفارقات الشاذة هي صفة من أبرز الصفات المشتركة بين جاهليات البشرية جميعاً ، وصيغة منظورة من أكثر الصيغ الحضارية تعبيراً عن المحتوى ، والمضمون الجاهلي المنحرف . وقد تحدث القرآن عن هذا الانحراف الجاهلي ، وكشف النقاب عن هذه الخصيصة المشتركة بين جاهليات الأرض جميعاً ، فقال: (فَإِنَّ لِلَّذِين ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونَ) . (الذاريات/ 59) (سَأَصْرفٌ عَنْ آياتِيَ الَّذِين يَتَكَبَّروَنَ في الأرض بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَة لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا ، وَإِن يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ، وَإِنْ يَرَوْا سَبَيلً الْغيّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ، ذَلِكَ بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا ، وَكَانُوا عَنْهَا غافِلِينَ) .(الاعراف/ 146) ( . . وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالِ بَعِيد) .(إبراهيم/ 3) (الَّذِين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ) .(الاعراف/ 45) وهكذا يتجسد النمط السلوكي المعوج كعنصر مشترك في نسيج البناء الجاهلي ، وكصفة مميزة للفرد الجاهلي ، في مختلف عصوره ، وتتابع أجياله ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها، فتراه يعبث ، ويفسد ويجرم ، وينشر الخراب والدمار ، ويقترف المنكرات ، ويوغل في الشر ، ويستهين بكل قيم الإنسانية ، ومبادئ الحياة البشرية ، دونما اكتراث ، أو وازع من ضمير ، أو رادع يردعه . . وتلك نتيجة حتمية لا مناص لهذا الإنسان من الانتهاء اليها ، بعد أن فقد الاحساس بالمسؤولية أمام خالق ، عادل ، قدير ، وبعد أن أنكر الأيمان بالجزاء ، والحساب ، والحياة الآخرة .
|
|