بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الإنسان والجاهلية


نتائج الانحراف الجاهلي

ان البشرية جميعاً ، وفي مختلف العصور والازمان ، هي كبش الفداء ، وضحية الانحراف الجاهلي في هذه الحياة ، وهي التي تتحمل أوزار جرائمها ، ونتائج ضلالها ، وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن شارحاً للانسان مردودات الانحراف ، والفساد الجاهلي الذي يشوه وجه الحياة ، ويحيلها جحيماً وعذاباً ، قال تعالى:
( . . يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم . .) .(يونس/ 23)
(ظَهَرَ الْفَسَادُ في البِرّ والْبَحْر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .(الروم/ 41)
والقرآن عندما أطلق هذا التحذير ، ولوح باشارة الخطر ، كان يستهدف دفع الإنسان إلى الوقوف بوجه الجاهلية ، والتصدي لجرائمها وانحرافها، ليؤدي كل إنسان دوره ، ويتحمل مسؤوليته في الوقوف بوجهها ، والدفاع عن إرادة الحياة ، و خير البشرية .
ولعل ما تعانيه البشرية اليوم من الجاهليات المادية المنحرفة كالشيوعية والرأسمالية والوجودية والعنصرية . .الخ .
وما جرته على الإنسانية من انحراف ، وتهتك وويلات ، وحروب مدمرة ، واستغلال للانسان وقتل لانسانيته ، ومصادرة لارادته ، وحريته ، وتماد في استعباده ، والتحكم بمصيره ، وارغامه على العبودية للطغاة والمتسلطين بدلاً من عبوديته لله سبحانه ، لعل في كل ذلك دليلاً قاطعاً على الشقاء ، والمعاناة الإنسانية ، ووقوع الإنسان ضحية للانحراف الجاهلي الفتاك ، وجنيه ثمار البغي والضلال . . التي حذره القرآن منها ، ولفت نظره اليها ، عله ينصت إلى كلمة الحق ، ويندمج في مسيرة الخير ، اشفاقاً عليه ، ورحمة به ، لئلا يخلد إلى الارتكاس في مستنقع الحياة الجاهلية ، أو يتمادى في التخبط في متاهات الضلال والضياع ، فيجني نتائج هذا الارتكاس والضياع . . .
وبامكان المتتبع المستقرئ لتاريخ الجاهلية - حديثها وغابرها - أن يسجل عليها النتائج الانحرافية التالية:
1 ـ طغيان التفكير المادي ، وغياب التفكير العقلي الذي يتسامى على المادية ، والنفعية والانانية الجشعة ، والذي يوازن بين كل قوى الإنسان الروحية ، والمادية ، والاخلاقية ، ويحترم مصالح الآخرين ، ويحافظ على حقهم في الحياة .
فقد تسبب هذا التيار المادي المتحجر باغتيال القيم الاخلاقية ، وانتصار المقاييس الانانية والنفعية التي أماتت ضمير الإنسان ، وبلدت وعيه واحساسه .
2 ـ ظهور الصراع والتآكل البشري بدلاً من الوئام ، والحب ، والسلام ، والتعاون بين أبناء الإنسانية ، وحلول الفوضى والضياع الاجتماعي ، بدلاً من الاستقرار ، والانضباط الاخلاقي ، والقانون المتزن، فتحولت الحياة الإنسانية إلى غابة صراع ، وواحة دماء تقبع خلف قضبان من الظلم ، والارهاب ، والضلال .
وكم كان دقيقاً تشخيص الإمام علي (عليه السلام) لهذه الظاهرة المروعة في الحياة الجاهلية حين قال: ((وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة))(9) .
((في فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها))(10) .
((تأكلون الجشب ، وتسفكون دماءكم ، وتقطعون أرحامكم))(11) .
فهذه الظاهرة ، ظاهرة الحروب والابادة وسفك الدماء هي الميزة الكبرى المشتركة بين جاهليات الأرض جميعاً .
وهي الخطب المروع الذي ضج منه الملائكة ، واستفسروا مستغربين:
( . . أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ، وَيَسْفِكُ الِدّمَاءَ . .) .(البقرة/ 30)
وتمتاز الجاهلية المادية الحديثة بولوغها بالدماء أكثر من أية جاهلية اندرست ، نظراً لما تملك من وسائل الخراب ، وآلات الحرب والدمار الجماعي لذا فقد غاب السلام عن دنيا الأرض ، وماتت خفقة الامن والحب في كل قلب ينبض بالحياة .
3ـ انهيار شخصية الفرد وتمزقها ، وغياب الوازع الذاتي ـ موت الضمير الإنساني ـ الذي وصفه القرآن بقوله:
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً . .) .(البقرة/ 74)
وبموت الضمير مات الحس الإنساني . . وغاب الشعور بإنسانية الآخرين ، فتلاشت الرؤية السليمة الواضحة ، وانسحب الإنسان الى عتمة الظل والضباب ، بعيداً عن دائرة النور والضياء ، فأضاع المقاييس ، وزيف ارادة الخير ، وراح يخلط بين القيم ، ويتنكر للهدى والرشاد .
وهذه النتائج الحتمية للاتجاه الجاهلي التي انتهى اليها الإنسان هي
النتائج والحصيلة المرة للتيه ، والبعد عن منهج الله ودعوة الانبياء، وهي التي تحدث القرآن عنها ، ووضع الإنسان وجهاً لوجه أمامها ليعرف مسؤوليته ، ويختار دوره في الحياة ، فوصف تلك الحصيلة بالظلم ، والجريمة ، والطغيان ، والضلال ، والانحراف ، والوحشية ، والبهيمية ، فقال:
( . . فاَسْتَكْبَروا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) . (الاعراف/ 133)
( . . وَإِن يَرَوْا سَبيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخذُوهُ سَبِيلاً . .) .(الاعراف/ 146)
(وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغي لاَ يَتَّخِذُوه سَبِيلاً) .(الاعراف/ 146)
. . قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَواَءِ السَّبِيلِ) . (المائدة/ 77)
(ظَهَرَ الْفَسَادُ في الْبَِرّ والْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدي النَّاسِ . .) .(الروم/ 41)
( . . . وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .(النحل/ 118)
والقرآن حينما وضع الإنسان أمام هذه الحقائق وشخص له تلك الظواهر أراد له أن ينتفض على واقعه الجاهلي ويغير صيغة الحياة والحضارة فيه ، فيبني حياته على هدى الأيمان ويشيد مجتمعه على أسس منهجه ورسالته ، مبتدئاً ببناء شخصيته ، وتغيير محتواه الفكري والنفسي .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com