بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الإنسان والجاهلية


طبيعة الصراع بين الجاهلية والإسلام

بعد أن صار مفهوماً لدينا المعنى الحقيقي للجاهلية وهو:
(رفض العبودية لله والانحراف عن منهج الدين) .
وعرفنا أن الإسلام هو: (التسليم والخضوع لامر الله ، والالتزام بمنهج الدين في الحياة) .
نعرف أيضاً أن الصراع دائم ومستمر بين الجاهليات المختلفة من جهة ، وبين الإسلام الذي هو دين الانبياء ، والبشرية من جهة أخرى، لأنهما حقيقتان متناقضتان من بداية التاريخ الإنساني وحتى تنطفئ شعلة الحياة على هذه الأرض . .
وان هذا الصراع سيستمر ، وسيتخذ أشكالاً مختلفة ، وشعارات متعددة ، ولكنه سيبقى صراعاً بين الهدى والضلال ، ونزاعاً بين الحق والباطل ، وكفاحاً بين العدل والظلم ، وسجالاً بين الصلاح والفساد . فهو صراع المتناقضات على مسرح الفكر والمجتمع ، وهو جهاد الخير ضد دعوة الشر والضلال . . وقد سجل الانبياء ، ودعاة الأيمان على طول خط التاريخ البشري فصولاً رائعة في تاريخ الإنسان ، وواجهوا بقوة وعزيمة جبروت الطغاة ، والمتسلطين ، ودعاة الضلال والانحراف ، أعداء الإنسانية ، وخصومها المتربصين بها .
ولم تكن هذه المواقف الجهادية الرائعة إلاّ ظاهرة حية لقانون الصراع والتغيير الإنساني الذي وصفه القرآن الكريم بقوله:
( . . وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ اٌلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَفَسَدَتِ الأرض وَلَكِنَّ الله ذُو فَضْل عَلَى العالَمِينَ) . (البقرة/ 251)
( . . وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْض لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبَيعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِد يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌ عَزِيزٌ) .(الحج/ 40)
فتلك سنة الحياة ، ومنطق التاريخ ، وقانون الحوادث والتغيير ، وعلى أساس هذه الحقائق جرت ملاحم الصراع وتشكلت وقائع التاريخ ، فتحمل كل طرف في هذا الصراع نصيبه ، ومسؤوليته ، وصدق الله القائل:
(كَانَ النَّاسَ أُمّةً واحِدَةً فَبَعَث اللهُ النَّبِيّيِنَ مُبشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بالحِقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيَما
اخْتَلَفُوا فيه ، وَمَا اختَلَفَ فيه إِلاَّ الَّذِينَ اوُتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءْتهُم الْبَيِنَاتُ بَغياَ بَيْنَهُمْ ، فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بإِذنِهِ ، واللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاط مستقيم) .
(البقرة/ 213)
ومن يتابع وصف القرآن لطبيعة الصراع ، وهو يرسم مشاهده الهادرة ، ويصور ملامحه الملتهبة بجهاد الانبياء وصمود أتباعهم ، واصرارهم على الحق ، ووقوفهم بوجه دعاة الجاهلية ، والظلم ، والاستبداد ، يستطيع أن يشخص هوية الصراع الممتد على طول مسيرة الإنسان ، ويفهم أن هذا الصراع هو الطريق الجهادي الذي سلكه اتباع الانبياء، وهو الطريق الذي يجب أن يسلكه دعاة الإسلام ، فهو استمرار لخط المسيرة الأيمانية ، ومواصلة لالتحامها الجهادي الباسل مع دعاة الردة ، والجاهلية البالية .
وليس أمام من يختار طريق الانبياء ، والدعوة إلى الإسلام إلاّ أن يرضى بما رضوا به ، ويتحمل ما تحملوه .
وما أروع قول الله الحق وهو يبسط لنا هذه الحقيقة الناصعة ، ويشرح لنا تجربة الصراع والامتحان الصعب:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأتْكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَسَّتْهُمُ الَبأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذيِنَ آمنوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيٌب) .(البقرة/ 214)
(آلم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ) . (العنكبوت/ 1ـ3)
فالصراع والاختبار الإلهي إذن ضرورة إيمانية لاكتشاف مدى الصدق والإخلاص في عقيدة المؤمن ، وإيمانه برسالته الربانية في الحياة .
إلى جانب كونه ظاهرة تاريخية تجري وفق قوانين الحدوث ورد الفعل والتغيير الاجتماعي .
1 الإمام علي (وعليه السلام) : نهج البلاغة، تنظيم د . صبحي الصالح، ط . بيروت 1967، ص 68 .
2 خير دار: (مكة المكرمة) .
3 نهج البلاغة ص 46 .
4 المصدر السابق ص 140 .
5 المصدر السابق ص 283 .
6 المصدر السابق ص 287 .
7 المصدر السابق 0298
8 المصدر السابق ص 240.
9 الإمام علي (عليه السلام):نهج البلاغة، تنظيم د.صبحي الصالح، ط. بيروت 1967ص298و47و68.
10 المصدر السابق.
11 المصدر السابق.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com