اسم الكتاب: لا تكـن هــدّاماً
ب ـ الجشع المادّي والدكتاتورية السياسية :
نلاحظ مظاهر الأنانية في الحياة الاقتصادية تتجسّد في سلوك ذلك الإنسان الجشع المستأثر عندما يحتكر الطعام والدواء والسلع التي يحتاجها الناس ليضطرّهم إلى رفع الأسعار وامتصاص دمائهم .. أو عندما يقرّر المستوى المتدنِّي من الاُجور للعاملين معه والتابعين لأعماله ومشاريعه .. انّه إنسان يعاني من عقدة مرضية تدفعه نحو هذه الممارسة العدوانية على قوت الناس وجهودهم وضرورات حياتهم ، لذا حرّم الإسلام الاحتكار قانونياً ، وألزم السلطة بإجبار المحتكر على البيع بأسعار معقولة اقتصادياً ليحمي المجتمع من شرور هذه العقدة الأنانية وأمر بالعدل ، وان لا يبخس الناس أشياءهم ، فيعطى العامل والمنتج الذي يقدِّم الخدمات ما يناسب جهده وقيمة عمله .. ومرض الأنانية هو الدافع نحو السلوك الدكتاتوري والعدواني في عالم السياسة ، وقمع الآخرين والاستحواذ على مقدّرات الحياة السياسية .. والأناني لا يضحي بشيء ، ولا يشارك في الحياة الاجتماعية إلاّ إذا قدّر أن يكون له من الربح أكثر ممّا يعطي الآخرين . وكما في الإسلام تربية أخلاقية على الإيثار وحبّ الخير للجميع ، ففي الإسلام تكاليف وتشريعات قانونية تضحوية تخرج الإنسان من دائرة الأنا الفردي إلى التفكير بمصلحة الجماعة ، ولو كلف الإنسان التضحية بمصلحته الشخصية ، بل اعتبر الرسول الكريم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)من لم يفكر بشؤون المسلمين، ولم يهتم بأمورهم ، فليس منهم .. إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يسلب صفة الإيمان الحقيقي من اُولئك الذين لم يهتمّوا ، ولم يفكِّروا بمصالح المجتمع .. جاء ذلك في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن أصبح لايهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» . من أمثلة التكليف القانوني لخدمة الجماعة هو واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ووجوب الدفاع ، حتّى وإن كلفه ذلك حياته ، ووجوب إنقاذ الآخرين مع القدرة من الكوارث والمخاطر التي تهدِّد حياتهم أو كرامتهم . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من ردّ عن قوم من المسلمين عادية ماء أو ناراً ، وجبت له الجنّة» . قال الله تعالى : (وما لَكُم لا تُقاتلونَ في سبيلِ اللهِ والمُسْتَضعَفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والولدانِ الّذينَ يقولونَ رَبّنا أخْرِجنا مِن هذهِ القريةِ الظّالِمِ أهلها واجْعَل لَنا من لَدُنكَ وَليّاً واجْعَل لَنا مِن لَدُنك نَصيراً ). ( النساء / 75 ) . ومثل هذه المهمّة قد تكلّف الإنسان حياته وماله وراحته ، وتجلب عليه الأذى والاضطهاد ، من السجن ومصادرة الأموال والتشريد ، وتعكير صفو الحياة .. وكم أقدم المصلحون على تحمّل تلك التبـعات برضى وتضحية مؤثرين إصلاح المجتمع ومقاومة الظّلم والفساد وراحة الآخرين ، في حين يكونون هم الضحيّة التي تتحمّل المشاكل والأذى والتضحية بالمال والنفس والراحة ، استجابة للتكليف الشرعي الذي أوجبته الشريعة الإسلامية .. وهذه التضحية والإيثار والانتصار على الأنا له ما يقابله من عوض ، وهو الجزاء الاُخروي الذي يرجوه المؤمنون بالله وبعالم الآخرة .. انّ الضمانة لحل أزمة الصراع بين مصالح الذات والأنا من جهة، وبين مصالح المجتمع وإحداث التوازن النفسي والاجتماعي من جهة اُخرى ، هو الإيمان بالله وبالجزاء الاُخروي .. وكلّما ازداد تخلي الإنسان عن الأنانية والأثرة ، وترسخ في نفسه مفهوم الإيثار ، وتقديم مصلحة الآخرين ، ازداد مكسبه الذاتي ممّا أعدّ الله سبحانه للمؤثرين على أنفسهم في عالم الخلود والبقاء .. يوضح القرآن هذا العوض بقوله : (وما تُقدِّموا لأنفُسِكُم من خَير تَجدوهُ عندَ اللهِ هُوَ خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إنّ اللهَ غفورٌ رَحيم ). ( المزّمِّل / 20 ) وهكذا يكون التخلّي عن الأنانية طريقاً إلى تحقيق أرقى المكاسب للذات ، ولكن في عالم آخر .. وليس هذا فحسب ، بل وفي الحياة الاجتماعية اليومية تعطي هذه السلوكية ثمارها .. عندما تسود هذه الروح ، ويفكِّر الجميع في مصلحة الآخرين وإيثارهم ، تحدث حالة التوازن بين الفردية والمصلحة الجماعية . ويعود النفع على الجميع ، ويتخلّص المجموع من الطغيان الفردي والأنانية والاستئثار .
|
|