دروس اسلاميـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  لا تكـن هــدّاماً


ج ـ الحسـد :

ومن دوافع الهدم الأناني هو الحسد ، فالحسود لا يستطيع أن يرى الآخرين وقد تفوّقوا عليه في موقعهم الاجتماعي أو الفكري أو السياسي أو المادي .. إلخ أو أن يجري الخير على أيديهم فيُقبل الناس على ما عندهم من عمل ونشاط ، أو تكون لهم نشاطات وكفاءات متفوّقة عليه ، لا سيما إذا كان له عمل ونشاط مماثل .. ويلجأ هذا الصنف من مرضى النفوس إلى سلوكية سلبية عدوانية .. يلجأون إلى الهدم والانتقام والتخريب بدافع الأنانية والحسد .
فهو بدلاً من أن يتّخذ أسلوب المنافسة المشروعة ، ويعمل على بناء نفسه ، وتوظيف جهده البنّاء يدخل في عملية هدم وانتقام من الآخرين ، وإعاقة مشروعهم وجهدهم بشتّى الوسائل والأساليب ، من انتقاص قيمة عملهم ، والتأليب عليهم ، والطعن في نزاهتهم .. إلخ .
لذا اعتبر القرآن الحسد شرّاً مستطيراً ، جاء ذلك في قوله تعالى :
(قُل أعوذُ بربِّ الفَلَق * مِن شَرِّ ما خَلَق * ومِن شرِّ غاسِـق إذا وَقَب * ومِن شَرِّ النفّاثات في العُقَد * ومِن شَرِّ حاسد إذا حَسَد ).
( الفلق / 1 ـ 5 )
ولخطورة هذه الصفة الذميمة على الفرد والجماعة ، وصفها القرآن بأ نّها شر ، ذلك لأنّ الحسد ، كما عرِّف هو : «تمني زوال نعمة من مستحق لها ، وربّما كان مع ذلك سعي في إزالتها» .
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «المؤمن يغبط ، والمنافق يحسد» .
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «يا علي ، إيّاك عن ثلاث : الحسد والحرص والكبر» .
وحذّر الإمام محمّد بن علي الباقـر (عليه السلام) من الحسد بقوله : «إنّ الحسد ليأكل الحسنات ، كما تأكل النار الحطب» .
فالحسود شرير هدّام ، يسعى في إزالة نعمة الغير ويتمنّى زوالها .
وبهذا الاتّجاه السلبي يكرِّس جهده في صراع ضدّ الآخرين ، سواء أكان يعمل ضمن جماعة أو مؤسّسة أو مشروع جماعي، أو كان منفرداً أو خارج ذلك النشاط .. وقد ساق القرآن قصّة ابني آدم مثلاً مروّعاً للحسد والأنانيـة ، وروح الانتقام من الآخرين ، لنجاح أعمالهم ومشاريعهم التي يقومون بها ، ولو كانت عبادة .. فمن خلال الحوار الذي دار بينهما تتجسّد نفسية الحسود الحاقد على الآخرين ، الذي لا يطيق رؤية غيره ، وقد أدّى عملاً ناجحاً ، أو حقق موقعاً اجتماعياً متفوّقاً عليه ، لذلك حرص القرآن على أن يتلو هذه الحادثة المعبّرة عن أسوأ وضع سلبي هدّام على مسامع البشرية عبر أجيالها المتعاقبة، لتكون عبرة وموعظة لأولي الألباب .. قال تعالى مخاطباً نبيّه الكريم :
(واتلُ عَليهِم نَبأَ ابنَي آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرباناً فَتُقُبِّلَ مِن أحدِهِما ولَم يُتَقَبَّل مِنَ الآخَرِ قالَ لأقتُلَنَّكَ قالَ إنّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتّقـين * لَئِن بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَني ما أنا بباسِط يَدِيَ إلَيكَ لأقْتُلَكَ إنِّي أخافُ اللهَ رَبَّ العالَمين * إنِّي أُريدُ أَن تَبُوءَ بإثمي وإثمِكَ فَتكونَ مِن أصحابِ النّارِ وذلكَ جَزاءُ الظّالمين * فَطَوَّعَت لهُ نفسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فَقَتَلَهُ فأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِين ). ( المائدة / 27 ـ 30 )
وهـكذا ينتهي مشهد الصراع بين أخَـوَين عاشا طيلة حياتهما مترافقين .. نهاية مُروِّعة ، لا لشيء إلاّ لأنّ أحدهما تقبِّل عمله ، ونجح في فعله، ولم يتقبّل من الآخر، ولم ينجح في عمله، لسوء فعله وسريرته . لقد انتهى الموقف إلى القتل والانتقام ، فلم يكن الحسود ليطيق رؤية أشخاص وأعمال وأنشطة متفوّقة عليه ، ولم يتعامل مع الموقف بطريقة ايجابية بنّاءة ، بأن يفكِّر في إصلاح نفسه ، ويحسن عمله ، فيتحقّق النجاح لجهده ومشروعه، بل انطلق من دوافع الهدم والسلبية، والتفكير في القضاء على صاحب المشروع والعمل المعوِّق ، فانتقم منه بالقتل . انّها جريمة الإنسان الاُولى على هذه الأرض ، تحكي قصّة الأناني الحسود ، وتصوّر طبيعة العدواني الهدّام . إنّ هذا الصنف من السلوك ينطبق على فاعله قوله تعالى :
(أم لهم نصيبٌ من الملكِ فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً * أم يحسدون الناس على ما آتاهُم الله من فَضله ... ). ( النساء / 53 ـ 54 )

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com