اسم الكتاب: الفكـر الإسلامـي
ب - السنّة المطهّرة:
السنّة في اللغة هي ( الطريقة المسلوكة ) ، وفي الاصطلاح هي : ( كل ما يصدر عن المعصوم من قول أو فعل أو تقرير ) (23). وهي المصدر الثاني من مصادر الفكر والتشريع بعد القرآن، ومنبع أساس من منابع الهداية والاصلاح، وعلاقتها بالقرآن الكريم تتحدّد في انّها مبيّنة وموضّحة للقرآن وكاشفة عن محتواه ومترجمة له.وقد اعتنى العلماء بالسنة، وبذلوا جهوداً شاقّة ومنظمة لحفظها وتنقيحها وضبطها وتدوينها ونقلها.وقد مرّت عملية حفظ السنّة ونقلها بمرحلتين هما: أ ـ مرحلة الحفظ في الصدور والنقل عن الرواة مشافهة. ب ـ مرحلة التدوين والكتابة، واستيداع السّنة في كتب خاصّة. وقد حوت هذه الكتب آلاف الأحاديث والروايات التي عالجت الأحداث والوقائع المختلفة، ويسلك الكثير منها كقواعد واُسس تشريعية وفكرية وتربوية وأخلاقية واجتماعية وسياسية واقتصادية عامّة، وبضمّها إلى ما جاء في القرآن الكريم، وربط بعضها ببعض نحصل على ثروة فكرية ضخمة وعطاء معرفي وثقافي لا يضاهى. وتحتل السّنة النبوية في الحياة الفكرية للمسلمين دوراً أساسياً يتلخص في: أ ـ انّها مصدر للفكر والتشريع والمعرفة الإسلامية. ب ـ انها مقياس لتحقيق الصحّة والصواب لما ينتجه المفكّرون والباحثون الإسلاميون، وأداة لتوضيح الخطأ والصواب. وبالرجوع إلى الكتاب والسنة والمفاعلة بين محتوييهما استطاع الفكر الإسلامي أن يبني هذا الصرح الفكري والثقافي والمعرفي الإسلامي الشامخ، ويمد الحياة الاجتماعية والفكرية والتشريعية ويغطي ما استجد واستحدث من مسائل ووقائع فكرية وتشريعية. والسنّة االمطهرة بينابعها الثلاثة ( القول والفعل والتقرير )، قد تناولها العلماء بالدرس والتحليل والتحقيق، وأسسوا علم الرجال وعلم الحديث لاثبات الصحيح، وإلقاء المدسوس منها، ولتصنيفها وتقديم بعض الروايات على بعض في مقام العمل والاستنباط، ويساهم علم أصول الفقه في دراسة السنة وفهمها واستنباط محتواها، وحل معضلاتها كمنهج للفهم والاستنباط. وهكذا بذلوا جهوداً شاقّة للحفاظ على أصالتها وصيانتها من التشويه وتحقيق فهم سليم لها. وإذا كان القرآن قد حفظه الله سبحانه من التحريف والتزييف وهو الآن بين أيدينا كما جاء به رسول الله محمد ( ص )، وانّ المشكلة التي تواجه الإنسان هي مشكلة التفسير والتأويل والتلاعب بمعاني القرآن وبأسباب نزوله وبإيراد الروايات المكذوبة والمشكوكة لتفسير القرآن، وإسناد هذا الرأي الخارج عن إطار الصواب أو ذاك. فان المشكلة التي تواجهنا عند دراسة السنّة هي: 1 ـ صحّة الرواية وعدم صحّتها. 2 ـ كيفية فهم الرواية والاستفادة منها. لذا كان واجباً على الباحث والمفكّر الإسلامي أن يتأكّد من صحّة الرواية ومن دلالتها. كما يجب عليه أن يفسر ويفهم القرآن تفسيراً وفهماً موضوعياً ونزيهاً وفق الأسس والمدارك العلمية المسوغة للفهم والتفسير. وقد أمدّتنا السنّة النبوية بما فيها من تطبيق وممارسة عملية بأحكام ومفاهيم وقيم لا تنفد. بالاضافة إلى الإحاديث والخطب والمحاورات الصادرة عن المعصوم نجد السلوك والممارسة العملية في حياته الشخصية التي توضّح لنا جانباً من الفكر والتشريع وتجسد الصيغة التطبيقية، وبضم أقوال المعصوم والافعال والسلوك الشخصي إلى التقريرات والموافقات الصادرة عنه لما عايش من حياة الفرد والجماعة، نحصل على الصورة الناصعة للفهم التطبيقي ولصيغة الحياة والمجتمع المبني على أساس الإسلام. والعلاقات المتوازنة بين الاحكام والمفاهيم تحل معضلة هامّة من المعضلات التي تجابه الفكر والتشريع الإسلامي عند التعامل معه كمنهج للحياة العملية ودليل للالتزام وتوجيه السلوك.
|
|