فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الفكـر الإسلامـي


ج ـ العقل:

للعقل دور أساس في بنّاء صرح الفكر الإسلامي بما حوى من آفاق وأبعاد واسعة وعطاء ثر وبناء، فالعقل هو الاداة الفعّالة التي استخدمها العلماء والفلاسفة والمفكرون في اكتشاف العلوم والمعارف والأفكار والمفاهيم الحضارية المختلفة وبناء صرح الحضارة. وما عملية الاجتهاد، أو عملية اكتشاف واستنباط الاحكام والمفاهيم والأفكار الإنتاج ممارسة العقل دوره في الفهم والربط والتحليل والاستنتاج.
لقد أطلق القرآن حرية العقل وحرره من الركود والجمود ودعاه إلى التفكر والتأمّل والفهم والاستنباط كما في قوله تعالى:
{افلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها}.
وكما في الآيات العديدة التي تحدثت عن ضرورة الفهم والتفكير والاستنباط والاستفادة، مما يضع بين أيدينا الدليل على مشروعية الفهم والاستنباط وما ينتج عنه من أحكام ومفاهيم شريطة أن يجري هذا العمل على أساس منهج ومقدمات صحيحة، وينتهي إلى نتائج صحيحة.
وقد ورد عن الأمام جعفر بن محمد الصادق (ع) ما يوضّح دور العقل، ويحث على الفهم والاستنباط كما في قوله (ع):
(انما علينا إلقاء الأصول وعليكم أن تفرّعوا) (24).
وورد عن الأمام علي بن موسى الرضا (ع):
(علينا إلقاء الأصول إليكم وعليكم التفريع) (25).
وكما هو واضح فانّ للعقل دوراً كبيراً في مجال الفهم والاستنباط الفكري،فهو يمارس دوره اعتماداً على القوانين والمدركات العقلية الأولية والمتفرعة عنها بمعزل عن الكتاب والسنة تارة، او بالقيام بعملية الفهم والاستنباط من النص(الكتاب والسنّة تارة أخرى،أو بالفهم والاستنباط بتوسّط الكتاب والسنّة تارة ثالثة،وفي كل مرحلة من مراحل عمله الثلاث،لا يقر عمله،ولا تقبل نتائجه،إلاّ إذا كانت متطابقة مع الكتاب والسنّة،وجارية وفق منطقهما الشرعي ولا تخالفه.
ونحن عندما نتحدث عن العقل كمصدر للفكر الإسلامي، انّما نتحدث عن النشاط العقلي الملتزم بالقرآن والسنة،ولا بد لنا ونحن نتحدث عن هذه الاداة العلمية لتحصيل العلوم والمعارف والأفكار ان نوضّح أنّ العقل يمارس دوره المقر من قبل القرآن الكريم والسنّة المطهّرة في مستويين:
1 ـ مستوى العقيدة والفكر: وهو مستوى إثبات العقيدة وما يشمل من الاستدلال على وجود الله،وإثبات الوحي والنبوة وحجتهما، ووجود الآخرة، ووجوب طاعة الله، وما يتّصل بالعقيدة من دراسات وبحوث واستدلالات ومناقشات، كالدراسات الكلامية والفلسفية الواسعة الآفاق والمجالات وما يرتبط بها أو تتوقّف عليه، كتحديد منهج البحث واكتشاف قوانين التفكير ( علم المنطق )، وأمثال ذلك من الدراسات والابحاث وأسس المعرفة.
وقد مارس العلماء والفلاسفة الإسلاميون دوراً بارزاً في هذا المجال، وأغنوا الفكر الإسلامي والحياة الإسلامية، النظرية والعملية، وما اتّصل بهذين العلمين، وتأثر بهما من أبحاث وعلوم ودراسات كالفقه والاصول، وعلم الاخلاق والسياسة والاجتماع وعلم النفس والسلوك ... الخ.
كما مارس العقل دوراً أساسياً وبارزاً في اكتشاف الأفكار والمفاهيم والنظريات المختلفة من القرآن والسنة في مجال السياسة والاقتصاد والمال والاجتماع والثقافة والاخلاق والسلوك ... الخ.
2 ـ المستوى الثاني: وهو اعتبار العقل كاشفاً عن الأحكام الشرعية ومدركاً لها، أي اعتبار الدليل العقلي مساوياً لدليل الكتاب والسنة في القوّة والحجية.
ولقد عدّ فريق من علماء مدرسة أهل البيت _ وهم الأصوليون _ العقل دليلاً من أدلة الأحكام واعتمدوه أساساً إلى جانب الكتاب والسنة في عملية الاستنباط، وعارضهم فريق آخر وهم الاخباريون، واتخّذوا موقفاً سلبياً من دور العقل وقدرته على اكتشاف الاحكام الشرعية بصورة مستقلة ( المستقلات العقلية) من الكتاب والسنة ورفضوا استخدامه، او الاعتماد عليه في هذا المجال، واستنكروا حجيته، بسبب عدم وضوح المقصود عندهم من اعتبار العقل دليلاً من أدلة التشريع، فتصوّر أن الفقهاء المؤمنين بدور العقل التشريعي يعتمدون العقل كمشرع، والحقيقة ان المقصود بالعقل هو ( إدراك العقل للحكم الشرعي) فيكون العقل مدركاً للحكم، وكاشفاً عنه، وليس مشرعاً له.
والمجال الاستنباطي الذي يمارس فيه العقل دوره يقسّمه العلماء إلى قسمين اثنين هما:
1 ـ مجال المستقلات العقلية (26) : وهي الأحكام التي يستطيع العقل أن يكتشفها ويدركها بصورة مستقلة عن الشرع ( دون توسط بيان شرعي _ الكتاب أو السنّة) أي الاعتماد على نفسه، كإدراك العقل قبح الظلم، وحسن العدل، وحسن النظام والتنظيم وقبح الفوضى وحسن العدل والنظام، كما يشخص الشارع ذلك، وكحكم العقل بعدم ترخيص المولى في المعصية، اعتماداً على إدراك العقل لقبح ترخيص المولى في المعصية واستحالة صدور القبيح من الحكيم.
2 ـ مجال غير المستقلات العقلية: أما المجال الثاني الذي يستطيع العقل أن يمارس دوره فيه فهو مجال إدراك الأحكام بتوسط بيان شرعي ( الكتاب أو السنة )، وفي هذا المجال يمارس العقل اكتشاف الأحكام الشرعية غير المبينة، كما في اكتشاف التلازم القائم بين حكم شرعي حدده الشارع، وبين حكم آخر لم يحدده الشارع، كقدرته على اكتشاف الوجوب الشرعي لمقدمة الفعل الواجب، بعد أني يحدد له الشارع
وجوب ذلك الفعل، فهو في هذا المجال يحكم بان الشارع يوجب المقدمة لتوقف تحقيق ذلك الفعل الواجب على تحقيقها، كحكمه بوجوب قطع المسافة من أجل أداء الحج الواجب، ووجوب اعداد الخبرات العسكرية التي يتوقف عليها اداء واجب الجهاد، كما يحكم بحرمة الاتيان بالمقدمة التي تؤدي إلى الوقوع في الحرام، كإدراكه لحرمة النظر إلى الأفلام الخليعة التي تؤدي إلى تحلل الأخلاق ونشر الفساد الثابت الحرمة في الإسلام، وإن كانت الأفلام بذاتها صوراً لا يحرم النظر إليها.وكما يدرك العقل هذه الملازمات، ويشخص الأحكام بواسطة هذا الادراك، فانّه يدرك الأحكام ويكتشفها عن طريق القياس ( قياس الأولوية وقياس المساواة)(27). وقد اعتمد العلماء دور العقل في هذا المجال من القياس ووظّفوه بشكل دقيق وواسع. وتحتل هذه الأحكام العقلية مجالاً واسعاً من المساحة التشريعية، وتغطي حاجة مهمة من حاجات الفرد والمجتمع التشريعية، وخصوصاً المستجد منها.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com