اسم الكتاب: الفكـر الإسلامـي
4 ـ الالتزام:
قال تعالى: { وانّ هذا صراطي مُستقيماً فاتّبعوهُ ولا تتبعّوا السّبل فتفرق بكُم عن سبيله }. { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغةً ونحنُ لهُ عابدون}. ومن الخصائص التي يمتاز بها الفكر الإسلامي انّه فكر له أصوله وموازينه وضوابطه التي تحفظ له أصالته وبنيته المنطقية المتماسكة. والباحث والمفكر الإسلامي عندما يبحث أو يفكر في قضايا مستجدة، كقضايا الاجتماع والنفس والجمال والتربية وتفسير التأريخ والأخلاق والمال والاقتصاد والعلاقات الدولية ومسائل الحياة الحضارية كالحرية وأمثالها؛ يجد أمامه مادّه فكرية إسلامية ومقاييس وضوابط تحدد مسار تفكيره ومنهج بحثه والنتائج التي يتوصل إليها عندما يثبت التعريف العلمي، وعندما يطرح أي مسألة فكرية، وعندما يكتشف تفسيراً لأية قضية، وعندما يضع تنظيماً لأية قضية، فهو يجد نفسه ملتزماً بأسس وموازين تنظم تفكيره وبحثه وتعاريفه وتفسيره للأشياء، وبذا يستطيع أن يحقق الأصالة والالتزام وتتسع أمامه دائرة البحث والاستنتاج والبناء الفكري حول تلك الأسس والمحاور. وتتلخص هذه المقاييس والضوابط بما يأتي: 1 ـ العقيدة والمفاهيم. 2 ـ القيم والأخلاق. 3 ـ الأحكام. فهو مثلاً عندما يثبت نظرية لتفسير السلوك والتأريخ يجب أن لا يتعارض تحليله وتفسيره وتنظيمه وتعريفه للسلوك والتأريخ مع قاعدة العدل الالهي التي من مصاديقها ( ان الإنسان حرّ مختار ) ، أي يملك القدرة على اختيار أي نوع من أنواع السلوك لأنّ الحرية تعارض مفهوم العدل، فالجزاء من العقاب والثواب لا يقع جزاء عادلاً إلاّ مع القدرة على الاختيار. والمفكر الإسلامي عندما يبحث قضية الحرية يربط بينها وبين الالتزام بالقيم والأحكام الإسلامية ولا يتركها للفوضى والانحلال. والباحث في الاقتصاد عندما يفسر سبب المشكلة الاقتصادية لا يمكن أن يردها _ مثلاً _ إلى عدم قدرة الطبيعية على توفير حاجة الإنسان، لأنّه يعلم أن ذلك ينافي حكمة الله وعلمه وعدله. وانّما يردها إلى مشكلة التوزيع الكامنة في الإنسان ذاته، الإنسان الذي تغلب عليه نزعة الجشع والشره والظلم، تلك النزعة التي تدفعه إلى أن يضع نظماً وقوانين ظالمة للتوزيع الاقتصادي، والباحث الإسلامي في علم الأخلاق يجد ربطاً بين الاخلاق وبين الاتجاه إلى الكمال الإلهي المطلق ((تخلّقوا بأخلاق الله)) من العدل والرحمة والحكمة والعفو والصدق ... الخ، ويربط بينهما وبين الواقع كما أوضحنا في المثل الاقتصادي، فتكون الأخلاق عنده ربّانية عملية بهذا المعنى، وبذا يثبت أفكاره ونظرياته. وهكذا يتحرك المفكر الإسلامي في بحثه واستنتاجه ونموّه ضمن الأطر والمقاييس والضوابط المحددة في أصول العقيدة ومداراتها. وكما تسلك الأسس العقائدية الإسلامية كضوابط ومقاييس للحفاظ على إسلامية البحث والفكر والنظرية والإنتاج الأدبي والفنّي وصيانته من الانحراف والاضطراب والتناقض وتسرب الأفكار والمفاهيم والاتجاهات الغريبة وغير الإسلامية، وتشكل محوراً تدور عليه الأفكار والنظريات وروحاً تسري في كل أرجاء البحوث بحيث يصبح البناء الفكري بنية متكاملة متناسقة. وكما تسلك الأفكار العقائدية التي هي عبارة عن مجموعة الأفكار والمفاهيم عن الكون والحياة والإنسان والوجود كقاعدة أساسية تشاد عليها كل لبنات البناء الحضاري والسلوكي وأنشطة الإنسان الثقافية من المعارف والفنون والآداب، تسلك الأحكام ( الواجب والحلال والحرام ) كمقاييس وموازين للفكر، فكل انتاج فكري وثقافي وفنيّ وأدبي يخضع للالتزام بمقاييس الحلال والحرام والواجب، وكما تسلك العقيدة والأفكار كمقاييس وضوابط للالتزام الفكري، تسلك الأخلاق كمقياس وضابط للالتزام الفكري أيضاً. فالأخلاق روح تسري في كلّ أبعاد الإنتاج الإنساني وتؤثرّ فيها. وبذا يتم الالتزام ويحكم البناء وتستقيم مسيرة الفكر على أسس إسلامية واضحة.
|
|