فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الفكـر الإسلامـي


5 ـ الأصالة:

عرّف اللغويّون الأصالة بقولهم: ( ورجل أصيل: له اصل، ورأي أصيل: له أصل. ورجل أصيل: ثابت الرأي، عاقل، وقد أصل أصالة، مثل ضخم ضخامة، وفلان أصيل الرأي، وقد أصل رأيه أصالة، وانّه لأصيل الرأي والعقل، ومجد أصيل، أي ذو أصالة...) (28).
وهكذا يتحدد لنا معنى الأصالة في اللغة، أما في الاصطلاح فيستعمل المعنى ذاته في المجالات التي يستعمل فيها؛ فيقال فكر إسلامي أصيل، وثقافة إسلامية أصيلة، أي لهما أصول إسلامية يقومان عليها ويستمدان منها وجودهما، فلا هجانة فيهما ولم يخالطهما فكر غريب عن الأصول والمنابع.
وسرّ أصالة الفكر الإسلامي تكمن في عناصر هي:
1 ـ أصالة المصدر وغناه واستغناؤه عن التلفيق والاستعارة وطلب التكامل من غيره.
2 ـ وجود منهج الضوابط والأطر التي تحفظ هوية الفكر الإسلامي وتحصنه.
3 ـ وجود وطريقة للبحث والتفكير الإسلامي، تقتضي الإنتاج الأصيل الملتزم عند التعامل مع المصادر الأساسية للفكر والمعرفة، ومحاولة الاكتشاف والتأسيس والإبداع، أو النقد والتمحيص والاستفادة من الإنتاج والتجارب الفكرية الأخرى. قال تعالى:
{ صبغة الله ومن أحسنُ من الله صبغة ونحنُ لهُ عابدون}.( البقرة/138)
{وانّ هذا صراطي مُستقيماً فاتّبعوهُ ولا تتّبعوا السّبل فتقرق بكُم عن سبيله}.الانعام/ 153)
وروي عن رسول الله (ص):
((يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين، وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد)) (29).
وعلى أساس الأصالة نستطيع أن نفرز ونميز الفكر الفلسفي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والقانوني وغيره، فنصف الملتزم منه بالإسلام، بأنّه إسلامي وأصيل، ونسلب هذه الصفة عن الفكر غير الملتزم منه بالإسلام، فلا نصفه بأنّه إسلامي، وإن أنتجه كاتب أو مفكّر يعتنق دين الإسلام، فشخصية وهوية الفكر الذاتية هي التي تمنحه الصفة، وليس هوية الكاتب العقائدية، ما زالت لا تتجسد في الإنتاج الفكري أو الأدبي أو الفنيّ.وهكذا يكون الالتزام الفكري وحفظ الأصالة وانتاج الفكر الملتزم من مسؤولية الكتّاب والمفكّرين والأدباء والفنانين والعلماء الإسلاميين وعليهم أن يحافظوا على أصالة الفكر والفنّ والأدب والثقافة الإسلامية.ولذا أفتى الفقهاء بحرمة كتب الضلال على من لا يستطيع الرد عليها، وكذا حفظها أو نشرها، ومن هنا كانت المسؤولية في حماية أبناء أمّتنا من الانحراف الفكري، ومن أن يفقدوا الأصالة والنقاء الفكري، ومن ضياع الهوية العقائدية نتيجة لتناولهم المفاهيم والأفكار والنظريات والآداب والفنون غير الإسلامية المطروحة في السوق الفكرية، بل وفي المدارس والجامعات ومعاهد الفكر والفنّ والأدب والمعرفة ووسائل الدعاية والأعلام، الخ، غير الملتزمة بالخط الإسلامي الأصيل، من هنا كان علينا أن نتّخذ الوسائل الوقائية والأساليب التحصينية التي تحفظ أصالة التيار الفكري والثقافي الإسلامي.
إنّ الأصالة الفكرية المطلوب توفّرها تتحدد في ثلاث مراتب هي:
1 ـ مرتبة التمييز بين ما هو إسلامي، وما هو غير إسلامي، وما هو صحيح وما هو غير صحيح، وهي أدنى مراتب الأصالة الفكرية التي تحفظ سلامة الشخصية الفكرية والمعرفة الإسلامية، فالإنسان المسلم عندما يتعامل مع الفكر الذي بين يديه من اقتصاد أو اجتماع أو سياسة أو علم نفس أو نظرية فنّ أو أدب أو فلسفة أو قانون أو غير ذلك، يستطيع أن يفرز ويميز، أنّ هذا الفكر فكر إسلامي قائم على أسس إسلامية، وانّ ذلك الفكر فكر غير إسلامي، ومخالف للقيم والموازين والأسس الإسلامية، بما يملك من أسس فكرية، ومنطلقات عقائدية، وموازين مبدئية.
2 ـ مرتبة النقد والمحاكمة: والمرحلة الثانية من مراحل الأصالة والنقاء الفكري، هي مرحلة النقد والمحاكمة للأفكار والمفاهيم والنظريات الغريبة على روح الإسلام وأسسه الفكرية.
إنّ لهذه المرحلة من مراحل الأصالة الفكرية، دوراً اساساً وهامّاً في حماية التفكير الإسلامي والشخصية الفكرية الإسلامية والأصالة الرسالية والحياة الاجتماعية والحضارية للأمّة الإسلامية.
ومنذ أن بدأ التسرّب الفكري والحضاري الأجنبي في منتصف القرن الأول الهجري،كنشوء فكرة الجبر والتفويض،ونشوء فكرة المرجئة،وعندما بدأ الاحتكاك فيما بعد بالفكر اليوناني المترجم من فلسفة ومنطق وعلم الأخلاق.الخ،والفكر الفارسي والهندي،وحاول من دخلوا الإسلام من اليهود والنصارى واتباع النحل المختلفة،إدخال مذاهبهم الفكرية ومعتقداتهم الأسطورية ومفاهيمهم عن الحياة والكون.بدأ الصراع مع هذا الوافد الفكري الغريب،ومع تلك المحاولات التخريبية الهدّامة بدأ النقد والتمحيص والردّ الحاسم من قبل الأمّة والعلماء والمفكرين الإسلاميين،فكان للعمل النقدي والجهد التمحيصي دوره واثره في حفظ الأصالة وحماية الفكر والتفكير الإسلامي من الاختلاط والتشويش والانحراف.وعلى امتداد مسيرة الفكر الإسلامي كان النقد منهجاً علمياً أساساً في حفظ علوم الشريعة ومبادئها وحماية الحضارة والثقافة والحياة الإسلامية.
فقد مارس الأئمة (ع) والعلماء والفلاسفة والمفكرون هذا المنهج النقدي والدفاعي في دائرتين اثنتين هما:
1 ـ في الدائرة غير الإسلامية، وذلك بالردّ على الأفكار والنظريات والشبهات المتسللة إلى الكيان الفكري الإسلامي؛ كالفلسفات والنظريات والمفاهيم والمعتقدات الوافدة الغريبة على الفكر والأصالة الإسلاميين.
2 ـ أما في إطار الدائرة الإسلامية فقد اعتمد الأئمة (ع) والمفكرون الإسلاميون من فقهاء وعلماء حديث ومفسرين وفلاسفة وكلاميين وأصوليين وغيرهم، هذا المنهج النقدي للحفاظ على اصالة الشريعة الإسلامية وحمايتها من المدسوسات والأهواء والشطحات المقصودة وغير المقصودة، كما أنشأوا علم الرجال والحديث وعلم الخلاف الفقهي، وعقدوا الدراسات المقارنة في مجال الفلسفة والكلام وعلم أصول الفقه، واعتمدوا النقد منهجاً للبحث وتثبيت الآراء. فغدا هذا المنهج أساساً للبحث والتفكير. فترى الباحث في الفقه والأصول والكلام والفلسفة والحديث وفلسفة الأخلاق والتأريخ والتفسير، بل وحتى في اللغة، لا يثبت رأيه إلاّ بعد أن يستعرض الآراء ويناقشها بدقّة وإمعان نظر، ليخلص إلى الرأي المختار، أو المستنبط المستقل، حتى ليفهم المتتبع لهذا المنهج العلمي الدقيق أن الرأي العلمي للباحث والمفكر الإسلامي في أي فنّ وعلم ومجال من مجالات المعرفة هو خلاصة التأمّل والنقد والتمحيص، وبهذا المنهج العلمي حقق العلماء والمفكرون الإسلاميون الأصالة والنقاء للفكر الإسلامي، مما يفد عليه أو يعلق به أو يدس فيه من خارجه، أو ما أفرزته شطحات العقل وتجاوزات التفكير غير الملتزم، أو شطحات الباحث في إطار الإسلام العاجز عن اكتشاف الحقيقة والالتزام بموازين الأصالة والنقاء، فنشأت حركة فكرية نقدية ودفاعية نشطة وفعّالة، حققت أهدافها الرسالية الملتزمة بدقّة وفعّالية.
وكما هو واضح لكل باحث ومتتبع، انّ الصراع الفكري والحضاري والعقائدي بين الإسلام وخصومه لم يهدأ منذ نشأته وحتى اليوم، لذا كان للغزو الفكري والحضاري الأوربّي عمله وفعله التخريبي المخطط ضد الإسلام ورسالته وحضارته، وكان هذا الغزو أشدّ خطراً من محاولات الغزو الفكري والحضاري في المرحلة الإسلامية الأولى، حيث كان المجتمع الإسلامي في تلك المرحلة يملك المناعة والحصانة الفكرية بشكل أقوى ممّا كان عليه المسلمون في مرحلة الغزو الفكري الأوربّي، وكان المسلمون في المرحلة الأولى هم القوّة السياسة الدولية المنتصرة والمتفوّقة، وهم حاملي مشعل الحضارة والدعوة إلى الإسلام، والمتصدين لقيادة البشرية، فكان الشعور بالتفوّق، وكانت المنعة والحصانة النفسية إحدى دعائم تحقيق الأصالة، بالإضافة إلى قوّة الفكر، وتصدي الأئمة والعلماء والمفكرين الإسلاميين الملتزمين. فانهزم التيّار الغريب الوافد، وتخلص الفكر الإسلامي من أثره ودوره السلبي، بعد فرزه وتشخيصه ورفضه. كما استفاد الفكر الإسلامي نتيجة هذا التلاحم والتفاعل، قوّة وفاعلية وعطاء، فاتّسعت دائرته، وكثرت موضوعاته ومعالجاته، وقويت مناهجه وقدراته على الدفاع والرد وتثبيت معالم الشخصية الإسلامية للفكر والثقافة والحضارة.
واستطاع الفكر الإسلامي أن يذيب ويهضم ويمتص ويتمثل المناسب من الفكر الوافد على الفكر الإسلامي وإدخاله في بنيته الإسلامية بعد أن نقح وغربل، وأعيدت صياغته وهندسته على أسس إسلامية ملتزمة.
وفي مرحلة الغزو الفكري الغربي المخطط والمدروس والمستهدف محو الشخصية الفكرية الإسلامية وتغييب هويتها، عملت المؤسسات الفكرية الأوربية، كالجامعات ومؤسسات البحث والمؤسسات الدعائية المضللة كالصحافة والمسرح ودور النشر والسينما والأحزاب والحركات السياسة التي تحمل الفكر الأوربّي والنظريات الأوربية كالديمقراطية والشيوعية والاشتراكية والقومية والعنصرية والإقليمية، على نشر الفكر والنظريات والمفاهيم الأوربية.
فطرحت النظرية الماركسية، والنظرية الرأسمالية، والفكر العنصري والإقليمي في مجال السياسة والاقتصاد وفلسفة التأريخ. كما طرحت النظريات الفلسفية التي تفسّر الوجود والمعرفة والسلوك والأخلاق والطبيعة والمعارف الإنسانية المختلفة، كعلم النفس والاجتماع ونظريات الأدب والفنّ والثقافة ... الخ كبديل للفكر والمعرفة والثقافة والحضارة الإسلامية، وإفراغ الإنسان المسلم والمجتمع المسلم والفكر الإسلامي من محتواه الرسالي، وطرح الفكر الأوربّي بديلاً له.
وقد صمد المفكرون والعلماء والكتّاب الإسلاميون الملتزمون والحوزات العلمية والحركات السياسة الإسلامية ومؤسسات العلم الإسلامية بوجه هذا التيّار، فتمكنوا من فرز وإيجاد نهضة فكرية إسلامية، وتحقيق الأصالة الحضارية والثقافية، والحفاظ على الهوية الإسلامية للفكر والمعرفة وفلسفة الحياة مرّة أخرى. قال تعالى:
{ بل نقذفُ بالحقّ على الباطل فيدمغُهُ فإذا هو زاهق}.(الأنبياء/18)
{يرُيدون أن يُطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى اللهُ إلاّ أن يُتّم نورهُ ولو كره الكافرون}. (التوبة/32)
وهكذا نجد قوّة وحيوية الفكر الإسلامي، وقدرته على الإبداع والعطاء وحفظ الأصالة واستقلال الهوية، رغم الزوابع والعواصف الهوجاء، ومحاولات المسخ والاستبدال.
3 _ مرحلة الاستنباط وتأسيس النظرية:
أمّا المرحلة العليا من مراحل الأصالة الناضجة والمكتملة،فهي مرحلة الاستنباط والتأسيس والابتكار.
تأسيس الفكر والنظرية واستنباطها من أصولها الإسلامية، وأمام الفكر الإسلامي اليوم مهام نظرية وحضارية كبرى ينبغي أن تتناسب وحجم الإنتاج الفكري والحضاري القائم على أسس غير إسلامية، وتتجاوب مع الحاجة الفكرية والحضارية والحياتية التي يواجهها الإنسان اليوم، في مجال الفلسفة والأخلاق والاقتصاد والسياسة والنفس والأعلام والرأي العام والاجتماع وفلسفة التأريخ والفنّ والأدب والمسائل والقضايا الاجتماعية التي تواجه الإنسان اليوم . الخ .
ان استنباط وصياغة النظرية الإسلامية الملتزمة بالنقاء والأصالة وتأسيسها في مثل تلك المجالات لا يمكن أن يتوفّر إلا للمفكّر الإسلامي الذي يملك عدة مؤهّلات أساسية هي:
1 ـ الإحاطة بمصادر الفكر والتشريع الإسلامي، وبما أفرزه الفكر الإسلامي في مجال البحث والتنظير الخاص بذلك الموضوع الذي يريد الشروع بتأسيس واستنباط النظرية المتعلّقة به، وأن تكون احاطته بالمستوى الذي يمكنه من استنباط النظرية المراد استنباطها.
2 ـ الاطلاع على البحوث والدراسات والنظريات التي طرحها الباحثون والمتخصصون في ذلك المجال من غير الإسلاميين.
3 ـ منهج علمي وطريقة تفكير إسلامية تمكّنه من الاستنباط وبناء البحث والنظرية.
4 ـ ملكة استنباطية وقدرة علمية على الفهم والاستنباط.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com