اسم الكتاب: الفكـر الإسلامـي
مشاكل الفكر الإسلامي المعاصر
وإذا كنا قد تحدثنا في النقاط السابقة عن المخاطر العدوانية التي تسعى للقضاء على الفكر الإسلامي، فلنتحدث الآن في المشاكل الداخلية التي يواجهها المفكر والفكر الإسلاميان، ونقاط الضعف في تكوين فكرنا وبنيته الفنية في مرحلتنا الحاضرة. ونريد هنا أن نسجّل بعض الملاحظات الأساسية في هذا المجال، فهي: 1ـ إن من المشاكل الأساسية التي ما زال يواجهها الفكر الإسلامي، هي مشكلة تأخره عن تأسيس النظرية، وتركيز اهتمام الكتاب الإسلاميين في المستوى التثقيفي والتوجيهي، وحصر الإنتاج الكتابي في المقالة أو البحث أو الكتاب الثقافي العام. فمثلاً ما زلنا نفتقد النظريات الإسلامية في مقابل النظريات المختلفة للفكر المادي المعاصر بشكل يغطي الحاجة، ويملأ مساحة الصراع الحضاري، ويسد ثغرة الفراغ الفكري الذي يعاني منه المسلمون اليوم.فما زالت أجيال المتعلمين تدرسّ في الجامعات القائمة في بلاد المسلمين النظريات الماركسية أو الغربية في الاقتصاد وعلوم السياسة والنفس والاجتماع وفلسفة التاريخ وأمثالها، في حين لم يتوصل الكتاب المسلمون لحد الآن الى تأسيس النظريات الإسلامية بالمستوى العلمي والفنيّ المطلوب، على الرغم من توفر المادة الفكرية لهذه النظريات بشكل غني وعميق، فهي بحاجة الى اكتشاف وبلورة وتنظير وصياغة، لتتمكن من تشكيل العقل الحضاري الإسلامي المعاصر، وتنظيم البنية الثقافية الإسلامية، بشكل متكامل ومنسق، يحقق لنا الأصالة الفكرية والالتزام الإسلامي.إن دراسة مراحل تاريخ الفكر الإسلامي من حيث النشأة والتطور والتكامل والتعامل مع الفكر الأجنبي الوافد عليه يعطينا صورة مشرقة، ويعكس عبقرية المفكرين والعلماء الإسلاميين الذين أسّسوا الفكر الإسلامي في مجالاته المختلفة، وخلّفوا لنا ملايين المؤلفات والآثار العلمية الباهرة. 2ـ وبالاضافة الى ذلك فان هناك أبواباً ثقافية لم يلجها الكتاب الإسلاميون إلا بشكل محدود وضيق، مثال ذلك: القصة والرواية والنقد الأدبي والفنّ والقيم الجمالية ودراسات علم الاجتماع ومسائل حضارية كثيرة يعاني من الحاجة إليها المتعلّمون من أبناء المسلمين. 3ـ ويلاحظ على كثير من الإنتاج الإسلامي التكرار والرتابة وغياب روح الابداع والابتكار في الأسلوب والصياغة والعرض والاستنتاج وتناول الموضوعات والاثارات الفكرية والاجتماعية ذات الأثر البالغ في ثقافتنا الإسلامية، بل قد نجد بعض الإنتاج الكتابي الرخيص الضحل والمضطرب الذي يسيء الى الفكر الإسلامي، ويقلل من قيمته وهيبته، خصوصاً ذلك الذي ينساق الى مستوى السباب والشتائم والتُهم المذهبية، وخوض القضايا التي لا تخدم مصالح الأمة، أو التي تمزق وحدتها، وتبلبل أفكار الجيل المسلم، وتعرض أمامه صورة متحجّرة، أو متناحرة شوهاء للفكر الإسلامي الخصب والمعطاء. 4ـ ومن المشاكل التي يعاني منها الفكر الإسلامي هي قلّة الكتاب والمفكرين الإسلاميين البارزين، ذوي المواهب الكتابية والاستيعابية لأصول الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية ومشاكل الإنسان المعاصر، أمثال الشهيد الصدر والشهيد سيّد قطب والشهيد المطهري والشيخ أبي الأعلى المودودي رحمهم ـ رحم الله ـ . ومن المشاكل التي تعيق نمو الفكر الإسلامي وتضيق دائرة الابداع والانتشار الثقافي، هي المشاكل التي يعاني مها الكاتب الإسلامي الناشئ، وعدم العناية به، من حيث رعاية مواهبه، ونشر إنتاجه الثقافي، فكثير من الكتاب الناشئين وذوي المواهب تسُد أمامهم أبواب النمو الكتابي والمشاركة الثقافية بسبب عدم رعاية إنتاجهم الكتابي، من حيث الطبع والتوزيع التشجيع...الخ، بل أصبح كثير من الإنتاج الفكري الإسلامي سلعة تجارية لمالكي المطابع ودور النشر ووكالات التوزيع.إن العمل الثقافي الإسلامي، وإن كان عملاً رسالياً يترفّع عن الإرتزاق والاهتمام بالجانب المادي، إلا أن هناك حاجة مادية للكتاتب والصحفي والأديب الإسلامي، لابدّ من رعايتها والعناية بها. فمن الضروري أن تنشأ دور ومؤسسات ثقافية مهمتها العناية بنشر الثقافة والفكر الإسلاميين بغض النظر عن الربح التجاري، وأن تهتم هذه المؤسسات بالكتّاب والأدباء الإسلاميين الناشئين وتقوم بتشجيع وتنمية مواهبهم ونشر إنتاجهم وسدّ حاجتهم المادية، وتفريغ المؤهلين منهم ليتوجهّوا الى العمل الثقافي ويتفرّغوا للكتابة والتأليف ومتابعة الحركة الفكرية العالمية ومواجهة الاتجاهات المعادية للفكر الإسلامي والإنتاج الثقافي المتواصل لسّد حاجة الإنسان المسلم، وتقديم الحلول المناسبة لمشاكله التي يعاني منها الخ.وتقع المسؤولية في هذا المجال بصورة أساسية على الدولة الإسلامية والمؤسسات الخيرية الإسلامية والحوزات العلمية والجامعات الإسلامية والعاملين بنشر الإسلام وترويج دعوته الخالدة.
|
|