فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الفكـر الإسلامـي


عوامل اليقظة والتحريك في العالم الإسلامي

لقد غطّت الأمة الإسلامية في القرون المتأخرة في سبات عميق، وذهول مروّع عن عظمة الإسلام ودوره الرسالي القائد في الحياة، وتضييع لمكانته العلمية والثقافية، فتحولت من أمة قائدة رائدة في مجال الفكر والثقافة والحضارة والدعوة الى عقيدتها ومبادئها، الى أمة متخلّفة تقلّد غيرها، وتستورد الأفكار والنظريات السياسة والثقافية والأنماط الحضارية، فخضعت فكرياً وسياسياً واقتصادياً وأخلاقياً للغزو الشرقي والغربي، المتمثل بالحضارة المادية الجاهلية المتردية، وأصبحت صيغة الحياة الاجتماعية بأبعادها الثقافية والأخلاقية والسياسة والاقتصادية تمثل نمط الحياة الغربية والشرقية، بعيدة عن الصيغة الإسلامية التي يرسمها القرآن الكريم، وتدعو لها السنة النبوية المطهرة.
وعلى الرغم من عوامل التخلف والركود وجهل المسلمين بعظمة الإسلام وقدرته على بناء الإنسان على أسس الخير والاستقامة والرقي المادي والأدبي.
على الرغم من كل ذلك، فقد بدأت روح النهضة واليقظة والتحرر تدب في العالم الإسلامي منذ بداية القرن العشرين، وبدأت روح الرفض والمقاومة تبرز لمواجهة الغزو الاستعماري بأشكاله الرأسمالية والماركسية والصهيونية والعنصرية...الخ، واتخذت هذه المقاومة صيغاً وأشكالاً متعددة ومساحات كثيرة.
فهناك المقاومة والصراع الفكري، وهناك المقاومة والصراع العسكري، وهناك المقاومة والصراع السياسي، وهناك المقاومة والصراع تلك المدارس والجامعات.
الأخلاقي والسلوكي...الخ، في شتى أنحاء العالم الإسلامي.
وهذه الحقيقة، حقيقة الصراع الإسلامي مع الوجود الوافد والغزو الفكري والحضاري التي نشاهدها في كل مكان، في الجامعة والمدرسة، والمصنع والبيت والمجتمع والصحيفة والشارع والأحزاب والحركات والمؤسسات الثقافية والاجتماعية، لتشير الى أن الأمة الإسلامية تعيش مرحلة الصحوة والتحفّز والنهوض، وقد وضعت قدمها على طريق العودة إلى مجدها وعزّها القرآني العظيم.
ومن يستقىئ هذه الحقيقة، ويحاول أن يشخّص العوامل الكامنة وراء تلك الصحوة الفكرية وبوادر اليقظة، يجد أن هناك عوامل وأسباباً أدت إلى تلك النهضة الفكرية والصحوة الإسلامية في شتّى المجالات والأصعدة، خصوصاً المجال السياسة، والمناداة بإقامة النظام الإسلامي، وتطبيق أحكام الشريعة ومبادئها في الحياة.
ويمكننا أن نشخّص أبرز تلك العوامل بما يأتي:
1ـ مواقف علماء الإسلام والحوزات الدينية: لقد وقف العلماء، ومراجع الشريعة، والمؤسسات الدينية ضدّ الغزو الاستعماري، والاحتلال العسكري لبلاد المسلمين، وقفة رسالية رائدة، فأعلنوا الجهاد المقدس، وقادوا جماهير الأمة في أعمال المقاومة، والكفاح المسلّح ضد الغزاة المستعمرين، فتركت تلك المواقف الجهادية الأثر البالغ، وأيقظت شعور المسلمين، وحرّكت وعي الأمة، وروح الرفض والمقاومة ضد المحتلّين الطغاة في شتّى أنحاء العالم الإسلامي، في العراق وإيران ومصر والسودان وأقطار المغرب العربي وأقطار أفريقيا المسلمة والهند وأندنوسيا وتركيا والباكستان، وغيرها من مناطق العالم الإسلامي، وبلاد المسلمين الخاضعة للسيطرة الشيوعية، فكان هذا الجهاد والرفض العسكري يستبطن الرفض الفكري والسياسي والحضاري، وشكلت تلك المقاومة الجهادية بصورة عامة رفضاً كاملاً للوجود الاستعماري، وبشتّى صوره، وحالات وجوده.إن هذه الجهود نجحت بطرد المستعمرين الغزاة وتنبيه المسلمين، لإلقاء بذرة الوعي والاحساس الإسلاميين في النفوس.
كما كان للعلماء وخطباء المساجد والمنابر المنتشرين في المدن والقرى والأرياف، الأثر البالغ في حفظ الإسلام، وربط المسلمين بعقيدتهم، وقد لوحظ على هذا النشاط الديني في بعض الفترات توقفه عند حدود اقامة الصلوات ونقل الفتوى في الشؤون العبادية والأحوال الشخصية، وضيق اهتمامه بالشؤون السياسة والحضارية وقضايا المسلمين الاجتماعية، غير أن هذا الاتجاه بدأ يتغير، وأخذ يشارك في الشؤون السياسة والاهتمام بقضايا الحضارة والمجتمع، فأسس بعضهم حركات وجمعيات وأحزاباً ومنظمات اسلامية، بل وقاد العلماء في ايران ثورة إسلامية ناجحة، كما يقود علماء آخرون الكفاح السياسي من أجل إقامة الإسلام في بلدان أخرى من عالمنا الإسلامي.
2ـ الاحساس بفشل القوانين والأنظمة المستوردة، وعجزها عن حل مشكلة الإنسان المسلم، وتزايد ممارسة الظلم والتخلّف والاضطهاد السياسي، ومصادرة الحقوق والحريات والكرامات الإنسانية من جانب الحكام والأنظمة المتسلطة وتزايد النفوذ الاستكباري، وضياع الثروات، وتركّز الاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسة للقوى الكبرى، وخصوصاً بعد مأساة المسلمين في فلسطين ولبنان وأفغانستان والفلبين وأرتريا ومناطق مختلفة من العالم الإسلامي، مما أثار الوعي الفكري، والحسّ السياسي لدى المسلمين، وحفزهم للتحرك الفكري والسياسي والجهادي ضدّ أعدائهم المستكبرين.
3ـ الجمعيات الإصلاحية والمدارس الدينية: بعد أن انتشر الفساد الفكري والأخلاقي في البلاد الإسلامية، وتحول التعليم والثقافة الى الاتجاه المعاكس للاتجاه الإسلامي، تحرّك بعض المخلصين فأنشأوا الجمعيات الإصلاحية لمكافحة الفساد والانحطاط الأخلاقي، والمدارس لتعليم أبناء المسلمين، وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية، وبثّ الوعي الإسلامي. فكان لتلك المشاريع المخلصة دور بنّاء في إحداث اليقظة والصحوة الإسلامية، وان كانت محدودة التأثير والفاعلية.
4ـ الحركات الإسلامية: في الكثير من بلدان العالم الإسلامي، نجد الآن الحركات الإسلامية القائمة على أساس الإسلام، قد أنشأها العلماء والمفكرّون الإسلاميون، للدعوة الى إقامة المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، ومقاومة الغزو الفكري والسياسي لبلاد المسلمين.
وقد نجحت الحركات الإسلامية بإيجاد تيّار فكري، وإنتاج ثقافي ناضج ومعمق، ذلك لأنها تضم العلماء والمفكرين الإسلاميين والدعاة والمثقفين، فكانت قوة رائدة في المجال الفكري والسياسي والمواجهة القائمة على أساس الوعي العملي والتخطيط المبرمج، فأغنت المكتبة الإسلامية بالفكر والثقافة، وأحدثت هزّة فكرية عنيفة في الأمة.
5ـ الثورة الإسلامية في إيران: منذ الحرب العالمية الأولى في أوائل القرن العشرين، والعلماء والمفكرون والمثقفون الواعون الإسلاميون والعاملون للإسلام يبذلون جهوداً مضنية، ويخوضون كفاحاً ثقافيا وسياسياً ومادياً، ويضحون بالأنفس والأهل والمال، ويتحمّلون السجون والعذاب والقتل والتشريد من أجل إقامة الإسلام، وعودة الدور القيادي للفكر الإسلامي، وللقوانين والأنظمة الإسلامية، ومقاومة الغزو الحضاري بشتّى صوره، إلا أن هذه الجهود رغم الدور الرائد الذي تحمّلته، والأثر الحميد الذي تركته، لم تستطع أن تسقط الكيانات السياسة الحامية للأوضاع الفكرية والحضارية المنحرفة عن الإسلام، والمعادية له، ولم يحالفها النجاح بهذا المستوى إلا في إيران عام 1979م، فانطلقت الثورة الإسلامية بقيادة الأمام الخميني- -رضوان الله عليه- كحركة انقلابية مغيرة تدعو الى إقامة المجتمع الإسلامي، وبناء الدولة والفكر والثقافة على أساس الإسلام، فكانت هزّة فكرية وحضارية عنيفة، أيقظت الوعي الإسلامي، واربكت التيارات والمدارس الفكرية المعادية للإسلام، فكان لهذه الانطلاقة الحضارية آثار حركية في أوساط المسلمين، جعلتهم يشعرون بعظمة الإسلام وقدرته على التحرك والانطلاق الفكري والحضاري، ويدخلون ميدان الصراع على المستوى العملي وبناء الحياة.
ويمكن القول أن هذه الثورة شكلت مرحلة فاصلة في تاريخ الأمة، بين العمل من أجل إقامة الإسلام، وبين البدء بإقامته، وعندما تتكامل هذه التجربة، وتوفر الظروف اللازمة لاحداث عملية التغيير الشاملة على أساس المبادئ والنظم الإسلامية، ستفرز صورة واضحة للفكر والثقافة الإسلامية في شتّى ميادينها.
6ـ الكتّاب والمفكّرون الإسلاميون ودور النشر والثقافة الإسلامية:
لقد ساهم الكتاب والمفكرون الإسلاميون ودور النشر والثقافة الإسلامية مساهمة فعّالة في نشر الوعي والثقافة ومجابهة الهجمة الثقافية المادية والموجة الانحرافية التي سببّتها عوامل التخلّف والانحراف، فأغنوا الفكر الإسلامي، وساهموا بوضع الجيل الجديد على طريق الأصالة والنقاء الإسلاميين، وزودّوه بعناصر اليقظة والنهوض الفكري.
وهكذا تتضح لنا قضايا أساسية في الفكر الإسلامي المعاصر تتعلّق بمشاكله ووسائل النهوض به.
اننّا إذ نتبين هذه المشاكل وعناصر النهوض ونحددها بوضوح، علينا أن نسعى لوضع العلاج لكل مشكلة تواجه عملية نمو الفكر الإسلامي، كما علينا أن ننّمي كل عنصر من عناصر نهضة الفكر الإسلامي ونعمل على اسناده وتوفير الفرص أمامه.
(والحمد لله ربّ العالمين)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com