قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المعالم الاساسية للرسالة الاسلامية
1 ـ الخلود :
خلود الاسلام . . . هو استمرار بقائه وامتداد رسالته ما دامت البشرية تواصل حياتها على سطح هذا الكوكب : (قُل أَيُّ شيء أكبرُ شهادةً ، قُلِ الله شَهيدٌ بيني وبينكُم وأوحِيَ إليَّ هذا القرآن لانذِركُم به ومن بَلَغَ . . .) .(الانعام/19) والاسلام لا بد وأن يكون خالداً . . . لانّه خاتمة الشرائع . . . ومكمّل الرّسالات . . . والمعبّر عن لطف الله ورحمته بخلقه . انّ الانسان في كل مرحلة من مراحل التأريخ ، وفي كل فترة من فترات حياته ، لا يمكنه أن يستغني عن الدين ، فهو دائماً بحاجة إلى دين يهديه ، وإيمان ينقذه من الجاهلية ، وتسلّط الطواغيت وانحراف النظام . . . وقد شاء الله سبحانه أن يكون هذا الدين الذي يلازم البشرية في مسيرتها ، ويستوعب مظاهر التجدد والنمو في حياتها ، هو دين الاسلام . . . لانه الدين المؤهل لانارة الطريق أمام الانسان ، وقيادته نحو الخير والصلاح . . . وما أروع وصف الامام علي (عليه السلام) لهذه الشريعة الخالدة ، والمنهاج الحي ، الّذي أنزل على خاتم النبيّين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قال : ((ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يدرك قعره ، ومنهاجاً لا يضلّ نهجه ، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه))(4). وقد صوّر الامام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ذلك الخلود والامتداد في الشّريعة بقوله : ((ان القرآن حيٌّ لم يمت ، وانه يجري كما يجري اللّيل والنّهار ، وكما تجري الشّمس والقمر ، ويجري على آخرنا كما يجري على أوّلنا))(5) . ثم تزداد آفاق تلك الفكرة وضوحاً ، وملء أبعادها ضياءً بقول الباقر (عليه السلام) : ((ان القرآن حي لا يموت ، وإن الآية حية لا تموت، فلو كانت الآية اذا نزلت في الاقوام وماتوا ماتت الآية لمات القرآن ، ولكن هي جارية في الباقين كما جرت في الماضين))(6) . وبهذه الصيغ التعبيريّة المحكمة صوّر لنا قادة الفكر وائمّة الشرّيعة صفة الخلود والديمومة في الشريعة الاسلامية . . . وفصلوا بين محتوى الشريعة وأهدافها من جهة ، وبين عنصري الزمان والمكان من جهة أخرى . . . لاعطاء قواعد الشريعة وأحكامها صفة الخلود والانطباق المجرّد عن كل مؤثّر خارجي . . . فالتشريع الاسلامي تشريع يتعامل مع الانسان بتجرد وموضوعيّة؛ لينطبق على كل أفراد النوع البشري ، في كل عصر ومرحلة . . . آخذاً بنظر الاعتبار ، أنّ الانسان بتكوينه ، وفطريّة حاجاته وميوله وغرائزه ، لا يمكن أن يطرأ عليه تغيّر أو تبديل ، بسبب عروض الزمان والمكان والظّروف الخارجيّة الاخرى . . . وانما يحصل التغيّر والتطوّر في الوسائل والاساليب والموضوعات التي يستحدثها الانسان لاشباع حاجاته النفسيّة والعضويّة ، ويعبّر بها عن أفكاره وأحاسيسه . . . وبهذا النمو والتطوّر في الوسائل والاساليب الحياتيّة ، أو ما يسمّى بالتطوّر المدني تزداد وتتطوّر وسائل الخدمات الانسانيّة ، وتنمو وتتنوّع كمية الحاجات التي تشبع الجانب التكويني في الانسان . . . كوسائط النقل والعلاج والسكن والتعليم والغذاء . . .الخ . ولو حاولنا أن نتعمق في بحث هذه الصفة ، ونكتشف العناصر الاساسية الّتي تمدّ الشّريعة بمادّة الخلود والبقاء لاستطعنا أن نحدّد أبرزها في ما يلي : أ ـ السّعة والشّمول : ان من العوامل المهمة التي تساعد الشريعة الاسلامية على البقاء والخلود المستمر مع الانسان هو عامل السعة والشمول . . . فالشريعة الاسلامية شريعة شاملة عامة . . . عالجت قضايا العقيدة والعبادات والاخلاق والقوانين المختلفة الّتي تنظّم شؤون العائلة والدولة والمال والاقتصاد والحرب والسلم وعلاقات الارض والعمل . . . كما تشمل تنظيم النشاطات الفرديّة المتعدّدة عند الانسان . . . كالطهارة والمأكولات والمشروبات والحفاظ على الصحّة البدنيّة والاوضاع النفسيّة . . .الخ . وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة وأوضحها بقوله : ( . . . ونَزَّلنا عليكَ الكتاب تبياناً لكلِّ شيء وهُدىً ورَحْمةً وبُشرى لِلمُسْلمين) .(النحل/89) (انَّا أنزلنا اليك الكتاب بِالحقِّ لِتحْكُمَ بين النّاس بما أراك الله . . .) .(النساء/105) . . . فالقرآن بسعة مفاهيمه . . . وامتداد قواعده ، وشمول آياته ، هو دستور كامل للحياة ، ومنهج للحكم والسّياسة ، ودعوة للهداية والانقاذ، تعهّدت السنّة النبوية بشرح مضامينه ، وكشف محتواه ، وتحديد موارد انطباقه ، وتوضيح جزئياته وتفصيل كليّاته . . . فنتج عن هذه الوحدة التشريعيّة ـ المتكونة من الكتاب والسنّة ـ الاستيعاب التنظيمي الشامل ، والامتداد الفكري الواسع; وإنّ هذه الحقيقة الموضوعيّة في الشّريعة الاسلامية هي الّتي أوحت بصياغة القاعدة التشريعيّة القائلة : (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم) . وقد جاءت الآيات والاحاديث الواردة عن أهل البيت (عليه السلام) تصرّح بهذه الحقيقة ، وتؤكّدها، فقد ورد عن الامام أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام) : ((إنّ الله تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج اليه الامّة إلا أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجعل لكلّ شيء حدّاً ، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه ، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدأ))(7) . وورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قوله : ((إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء ، حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج اليه العباد ، حتى لا يستطيع عبد يقول ، لو كان هذا أنزل في القرآن؟ . . . إلاّ وفيه كتاب أو سنة)) . وعنه (عليه السلام): ((ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله عزو جل ، ولكن لا تبلغه عقول الرجال))(8) . وهكذا تجمع هذه النصوص جميعاً وتؤكد على سعة الاسلام ، وامتداد آفاقه القانونية والتنظيمية والفكريّة والتعبدّية ، ليعرف المسلم ان للاسلام رأياً وقانوناً وموقفاً من كل قضية وحدث وموضوع يستجد أو يولد في دنيا الانسان ، على امتداد المكان والزمان . . فتطوّر الحياة الانسانية ، وما استجد فيها من علاقات ماليّة وسياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة . . . كالمصارف والشركات والمؤسّسات الماليّة والتجاريّة المختلفة ، وكالنّوادي والمؤسّسات الاجتماعيّة والتنظيميّة والادارية ، وتطوّر أجهزة الدولة ، وتنامي علاقات العمل والانتاج ، وتطوّر وسائل الحياة كافة . . . كلّ هذا التطوّر والامتداد يجد غطاءً قانونياً ، وأصْلاً تشريعياً ، يستوعبه ويقنّنه حسب رأي الاسلام ومنهجه . . . وهذا الاستيعاب الفكري والتشريعي هو السبب في خلود الشريعة وامتداد وجودها . . . فهو العنصر الرئيس ، والمصدر الاساس ، لاستيعاب كل ما يستجد ويتطور في دنيا الانسان . ب ـ المرونة : لو ألقينا نظرة فاحصة على حياة الانسان وشخصنا حاجاته التي يحتاجها للبقاء ، والنمو والتكامل ، لوجدناها تنقسم إلى قسمين اثنين : قسم ثابت ودائم لا يتغير ، وهو جانب الحاجات الانسانية الثابتة ، المرتبطة بالغريزة والفطرة والتكوين ، كالحاجة إلى الطعام والشراب واللّباس والزواج والعلاج والعلم والامن . . . الخ . فكل تلك الحاجات الانسانية،هي قضايا ثابتة،وقائمة في ذات الانسان،ومرتبطة بتكوينه وفطرته،لا تتغيّر دوافعها،ولا تتبدّل الحاجة اليها،مهما تتغيّر الظروف أو تتبدّل وسائل الحياة . أما الجانب الثاني من الحاجات الانسانيّة ، فهو جانب الوسائل والاساليب التي تمكن الانسان من الاستجابة للحاجات الثابتة ، والعمل على اشباعها . . . وتلك الوسائل والاساليب هي التي تمثّل الجانب المتغيّر ، والمتطور من حياة الانسان : فوسائل انتاج الغذاء واللباس والسكن والعلاج ، وأساليب تحصيل العلم ، ووسائل الدفاع وحماية الامن ، وطرق ادارة وتنظيم النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، تتطور وتزداد نموّاً وتعقيداً يوماً بعد يوم . . . كلما ازداد نمو الحياة وأثريت بالعلوم والتجارب والمكتشفات الانسانية . . . لذا فإن الاسلام قام بتنظيم الجانب الثابت من الحياة ، ووضع له الاسس والقواعد الكلّية ، باعتباره حقيقة تكوينيّة ثابتة في ذات الانسان ، وجعل الجانب المتطوّر من الحياة الانسانية جانباً مفتوحاً ، يتحرّك وفق قواعد ومفاهيم كليّة . . . ترسم له طريق الّنمو وتحدد له المسار . . . فكل تطوّر يحصل في هذا الجانب المتحرّك ، يجد بابه التشريعي المفتوح ، وقاعدته القانونيّة الكلّية الّتي ينضوي تحتها . . . غير محدّد بقيد ولا شرط غير حدود الالتزام بمفاهيم الشريعة وقواعدها الاساسية ، وإلا يحّدد إلا بحدود مصالح الانسانية والحفاظ عليها . وبذلك يبقى الاسلام حياة مفتوحة ، تستوعب كل جديد متطور يستجد ويتطوّر لخير الانسانية وصالح نموّها . وقبل أن ننهي حديثنا حول صفة المرونة . . . يجب أن نكون حذرين من اختلاط المفاهيم . . . واساءة فهم هذه الصفة في الشريعة الاسلامية . . . ويجب أن يكون واضحاً لدينا ان المرونة المسموح بها في الاسلام ليس معناها تغيير روح الاسلام ، أو تبديل أحكامه ، أو التلاعب بمفاهيمه . . . بل المقصود بالمرونة : هو أهلية الاسلام لتقبل أشكال مختلفة من التّطبيق والتّنفيذ، داخل اطاره الايماني العام . . . أو هي عبارة عن (ثبات المحتوى وامكانيّة تغيّر الشكل في كل قضية لم يحدد لها الاسلام صفة ولا شكلاً معيناً) . ج ـ الاجتهاد : والعامل الاساس الثالث من عوامل خلود الشريعة ، ومدها بالقدرة على استيعاب كل ما يستجد ويتطوّر في حياة الانسان هو قبول الشريعة الاسلامية لعمليّة الاجتهاد ، وقدرة قواعدها ومفاهيمها الكليّة على التوالد والامتداد . فالاجتهاد عملية علميّة يمارسها الفقهاء ، وخبراء التشريع في الاسلام ، لاستخراج القوانين والتشريعات والمفاهيم التي يحتاجها الانسان في حياته ، من المصادر الاساسية في الاسلام . . . ويشكل القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، المنبع الاساس ، والمصدر الرئيس لعمليّة الاجتهاد . . . وللاجتهاد خبراء متخصّصون بدراسة الشريعة الاسلامية ، واستيعاب مفاهيمها ، وهضم مضامينها ، وادراك غاياتها ومقاصدها . . . وبذا صاروا فقهاء وأصبحوا مؤهّلين لاستنباط الاحكام والمفاهيم والقوانين الّتي يحتاجها المجتمع والفرد والدولة في مختلف شؤون الحياة ، ويمارس هؤلاء الفقهاء وخبراء الشريعة نشاطهم العلمي ، في اطار المصادر والمنابع الاساسية(9) لاستكشاف المحتوى الفكري والتّشريعي الضخم من بين أُطُر النّصوص ، وعلى ضوء اشعاع المفاهيم والايحاءات الصادرة عن هذين المصدرين . وإذن فالاجتهاد جهد علمي ، يعتمد على مصادر تشريعيّة محدّدة ، ويلتزم بمنهج استنباطي معيّن . . . وهو بدون هذه المصادر . . . وبغير هذا المنهج العلمي لا يكون إلا عملاً اعتباطيّاً ، وتحريفاً ضارّاً بروح الشّريعة وأهدافها . . . اذ ليس بوسع كل مصدر أو منهج أن يوصل إلى تحصيل الحكم الشرعي ، أو يحقق أهداف الشريعة وأغراضها التشريعية . . . لذا كان الاجتهاد وسيلة فعالة من وسائل تحقيق الاصالة والسعة والخلود للشريعة الاسلامية . لان عمليّة الاجتهاد تجعل من المصادر الاساسية في الاسلام (القرآن والسنة) تيّاراً يجري كالنهر المتدفّق الذي يرفد المجاري والقنوات والتفرّعات الصادرة عنه بالماء . . . ليسقي عن طريقها كل مساحات الارض البعيدة عن حوضه . . . واذا اعتبرنا النهر في هذا المثل هو الكتاب والسنّة . . . ومساحات الارض هي الموضوعات والقضايا المستجدّة في دنيا الانسان . . . وشبكة القنوات والمجاري المتفرّعة هي ما يستنبط ويفرع من قوانين وأحكام ، فان المجتهد يحتل موقع المهندس في هذا التشبيه . . . المهندس البارع الذي يشقّ لنا تلك القنوات ، ويغطي حاجة تلك المساحات من الماء . لذا كان تعطيل الاجتهاد يشبه عمليّة سد هذا المجرى المائي المتدفق ، وعدم السماح بتفريع شبكة النهيرات والقنوات التي تمنح الارض الخصب والرواء؛ فتتسبّب في إحالة الارض الطيّبة بواراً ومواتاً ، نتيجة لقطع الماء وحجز تدفقّه عن قنواتها . وما دام الاسلام هو خصب الحياة ، ونماء الانسانية ، لذا فإنّه ليس من حق أحد أن يوقف مجرى هذا التيّار العظيم ، الّذي أريد له أن يخترق سدود الزّمن ، ويروي مساحات الحياة: (يا أيُّها الَّذينَ آمنواُ استَجيبُوا لله وللَّرسُولِ إذا دَعاكُمْ لِمَا يُحْييكُمْ ، واعْلَمُوا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المَرءِ وَقَلْبِهِ ، وَأَنَهُ إليهِ تُحْشَرونَ) .(الانفال/24) لذا أُمر المسلمون بالرجوع إلى أُولي الخبرة ، والاخذ عنهم كلما حدث حادث ، أو استجد موضوع جديد في دنيا المسلمين . قال تعالى : (وإذا جاءهُم أَمْرٌ مِنَ الامْنِ أَو الخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلى الرَّسُولِ ، وَإِلى أولي الاَمْرِ مِنْهُمْ لَعلمَهُ الَّذينَ يَستنبِطونَهُ مِنهُم ، وَلَولا فَضْلُ الله عَلَيكُمْ وَرَحمتُهُ لاتّبَعتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً) .(النساء/83) ففي هذا النص القرآني أمر صريح بالرجوع إلى من يعول عليهم ـ بعد رسول الله ـ في معرفة المواقف والاحكام لاستنباط ما يطرأ ويستجد في دنيا المسلمين . ويجب الانتباه هنا إلى أنّ الاجتهاد ليس معناه تغيير أحكام الاسلام ومبادئه الثابتة ، أو التلاعب فيها . . . فتلك المبادئ والنصوص هي قواعد ثابتة لا تتبدّل . . . ، وعمليّة الاجتهاد والفهم والتفسير الدائرة حول النّص ما هي إلاّ جهد علمي يبذله الفقيه في محاولة منه لفهم النّص ، واستخراج المفهوم ، لصياغة القواعد الكليّة ، واستخراج القوانين والاحكام المطلوبة . . . فان أخطأ المجتهد في الفهم والاستنباط فان المبدأ القرآني ، أو النّص النبوي ، يبقى خالداً محافظاً على روحه وأصالته . . . لا يضرّه خطأ المجتهد ، ولا تؤثر عليه أنماط الفهم البشري . . . لذلك وضعت القاعدة الاسلاميّة الوقائية القائلة : (لا اجتهاد مع النص) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|