قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المعالم الاساسية للرسالة الاسلامية
2 ـ اليسر والسهولة :
الاسلام وحي إلـهي مُنزل . . . تسري في كل أبعاده صفات المشرّع . . . وتتجلّى في كامل بنيته وغاياته آثار هذه الصفات ومظاهرها . . . فالمشرّع هو الله سبحانه . . . وهو المتّصف بالعدل واللّطف والرّحمة والحكمة . . . لذلك فان صفات المشرّع المقدّسة هذه تبدو واضحة في كل تشريعات الاسلام وتكاليفه . . . ولذلك أيضاً كان انعكاس هذه الصفات وظهورها متجلياً في يسر الشريعة وسماحتها . . . وفي مراعاتها لطاقة الانسان وقابلياته الذاتية . . . ونشاهد هذه الحقيقة ظاهرة بوضوح تام في كلّ تشريع ومسؤولية جاء بها الاسلام ، وخوطب بها الانسان ، لرسم علاقته وتعامله مع الله والناس . . . فقد جرت الحكمة الالـهية في التّشريع والالزام على قاعدة واقعيّة عمليّة . تقوم على أساس التّناسب بين الّتكليف والمسؤوليّات كلّها بمستوى قدرة الانسان وامكان تنفيذه . . . اذ أن من مقتضيات العدل الالـهي ، ومن مصاديق تحققّه أن لا يلقى إلى الانسان من التكاليف والمسؤوليات ما يفوق حدود الامكان البشري.. ويتعدّى الحدّ الادنى من الاستطاعة. فلو كلّف الانسان ، بتكاليف تفوق قدرته وطاقته ، ثم طلب منه الخضوع والاستجابة لقوانين وتشريعات لم تتوفّر فيه قابليّة الاستجابة لها ، أو التّطابق معها لاضطرّه المشرّع إلى المعصية . . . ولكان المشرّع ظالماً وعابثاً لا يحسن تنظيم العلاقة بين طبيعة التكوين والتشريع ، ولا يتقن التنسيق بينهما . . . واذن لتعارضت القوانين والانظمة الاجتماعيّة والتعبديّة مع الطبيعة والامكانات البشرية . . . ولانتقضت أهداف المُشرّع ، وضاعت الغاية من الشريعة والقانون الالـهي . . . ولكن المُشرّع هو الله . . . العادل الحكيم . . . الذي لا يظلم،ولا يعبث..وهو القائم بالعدل،وهو الذي أقام كل شيء على أساس من الحكمة والاتقان. (شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلـه إِلاّ هُوَ والمَلائِكَة وَأولُو العِلْم قائِماً بالقِسْطِ لا إِلـه إلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكيمُ) .(آل عمران/18) وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصّفة الرائعة في الاسلام ـ صفة اليسر والسهولة ـ وأوضح حكمته الفذّة بجملة من المفاهيم والنصوص المنبثة في أرجائه . . . نختار منها قوله تعالى : (يُريدُ الله أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم ، وَخُلِقَ الانسانُ ضَعيفاً) .(النساء/28) ( . . . مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم منْ حَرَج وَلَكنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لعلَّكُمْ تَشْكُروُن) .(المائدة/6) (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلاّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيها مَا اكْتَسَبَتْ) .(البقرة/286) ( . . . لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إلا مَا آتاها سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْر يُسْراً) .(الطلاق/7) واذا انتقلنا من القرآن إلى السنة ، فسنجدها ظلاًّ كاملاً لهذه الروح القرآنية . . . تدعو إلى ما دعا إليه القرآن ، وتؤكّد ما أكّده . فقد جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قوله: ((جئتكم بالشريعة السهلة السمحاء)). وجاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الرفع ما لم يأت في أي قاعدة ، أو حديث آخر من مفاهيم اليسر والسهولة والتّنسيق بين قدرة الانسان ونصوص القانون . فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : ((رفع عن اُمّتي تسع : الخطأ والنسيان ، وما اُكرهوا عليه ، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والغيرة ، والوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة ولا لسان))(10) . وإلى هذا المعنى أشار الامام علي (عليه السلام) بقوله : ((الحمد لله الذي شرع الاسلام فسهل شرائعه لمن ورده))(11) . وورد عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) قوله وهو يتحدّث عن فريضة الحج ، وعلاقتها بالاستطاعة ، شارحاً ومؤكّداً هذه الصّفة في الشريعة الاسلامية . . . ورد عنه : ((إنما أمرُوا بحجّة لا أكثر من ذلك ، لان الله وضع الفرائض على أدنى القوّة ، كما قال : (فما استيسر من الهدي) يعني شاة؛ ليسع القوي والضعيف ، وكذلك سائر الفرائض إنما وضعت على أدنى القوم قوة؛ فكان من تلك الفرائض الحج المفروض واحداً ، ثم رغب بعد أهل القوة بقدر طاقتهم))(12) . فبهذه المبادئ والتصريحات ركز الاسلام وجود هذه القاعدة ـ قاعدة اليسر والسهولة ـ في الشريعة الاسلامية ، ومد أبعادها إلى كّل تكليف وواجب في الاسلام . . . ليؤكّد الظهور العملي لصفة المشرّع في التشريع . . . فالله المشرّع . . عالم بقدرة الانسان وبحدود امكاناته . . . وهو سبحانه أراد من الانسان الطاعة والامتثال وفق الاسس والمبادئ الملقاة إليه . . . لذا جعل كل الواجبات والالتزامات بمستوى تحمله وطاقته . ويستطيع المتتبّع لجزئيات التّشريع الاسلامي ، أن يلاحظ هذه الصفة واضحة بارزة في كل تشريع وتقنين . . . فمثلاً . . . أعفى الاسلام المريض والعاجز والمسافر من الصوم . . . وجعل تشريعات تخفيفّية لهذه الحالات . . . كالقضاء والفدية والاستغفار . . . فالمريض يقضي بعد توفر القدرة والاستطاعة ، وإلاّ وجبت عليه الفدية . . . فان عجز سقطت عنه ، ووجب عليه الاستغفار . . . والعاجز عن الحج والجهاد في سبيل الله يُعفى من القيام بهما . والمدين الذي لا يستطيع دفع دينه يعطى من أموال الزكاة ما يكفيه لقضاء دينه . والعاصي تفتح أمامه أبواب التوبة والمغفرة . . الخ كل ذلك لاعانة الانسان على الالتزام والتنفيذ ، وتمكين المخاطب من العمل والتطبيق .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|