قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المعالم الاساسية للرسالة الاسلامية
4 ـ الواقعية(13) :
الاسلام دين عمل ، ومنهج حياة . . . بُلغ للبشرية لتهتدي به ، وتسير على نهجه ، وتبني حياتها وحضارتها على أساسه . . . ورسالة هذه صفاتها وأهدافها . . . يجب أن تكون رسالة واقعّية ، بعيدة عن الوهم والتزمت والتّصور اللاّ معقول . لذا فهي في كل تشريع ومعتقد ومفهوم تلاحظ امكانيّة الانسان الذّاتية ، وحاجته الاجتماعية ، وأهدافه التكوينيّة الفطريّة ، بخلاف المناهج الّتي وضعها الانسان ، وخطط لها بوعيه القاصر ، وفهمه السطحي المحدود . . . خططها دون أن يراعي امكانيّة التّطبيق ، أو يدخل في حسابه التجاوب مع الطبيعة والدوافع النفسية والفكرية والجسدية المتفاعلة مع التشريع والنظريّة . . . ولعل من أوضح الامثلة على فقدان الواقعية في النظريات والمذاهب الوضعية هي النظرية الماركسّية . . . فماركس الذي تصوّر نظريته الشيّوعية تحت ضغط رد الفعل الشخصي ضدّ الاوضاع الاجتماعيّة المحيطة بعصره وشخصه حين كان مراسلاً لاحدى الصحف في (لندن) وحرم من زيادة أجره فأثر هذا الموقف في نفسه حقداً على الاوضاع الاقتصاديّة ، فراح يتصّور بوهمه وخياله صيغة جديدة للمجتمع الانساني تقوم على أساس المناداة بالغاء الملكية والعائلة والدولة والدّين والقانون والاخلاق . . . وراح ينادي بمجتمع إباحي مشاعي كالمجتمع المشاعي البدائي الّذي تصوّره في تحليله وتفسيره للتاريخ . . . فجاء تفكيره هذا صورة خيالية ، ووهماً مَرضياً ، اضطّر الساسة المطبّقين لهذه النظرّية الخيالية فيما بعد كلينين وستالين إلى استحداث بديل مؤقّت ـ كما ادعوا ـ فأسموه الاشتراكية . . . بعد أن ذهب ضحية هذه التجربة الشيوعية الفاشلة ملايين من البشر سحقهم البطش والارهاب اللينيني والاستاليني في روسيا ومستعمراتها . ثم بدأت القرارات والتعديلات المستمرّة في هذا النظام ، وبدأ الانسحاب والخروج التدريجي من هذه الاقفاص الخيالية المدبّجة؛ بسبب فقدان صفة الواقعية ، وبعد النظرية عن عالم التطبيق ، وعدم مراعاتها للطبيعة الانسانية . . . وليست الشيوعية الماركسّية هي وحدها الّتي تفتقر لهذه الصفة . . . صفة الواقعية، بل والرأسماليّة أيضاً ـ في أفكارها ونظرياتها العامّة ـ لا تملك الصفة الواقعية ، ولا تتوفر في صياغتها الشكلية أرصدة الضمانات العملية للتطبيق . فمثلاً تنادي الديمقراطية الرأسماليّة بالحريّة السّياسيّة والاقتصادية في أفكارها ومقرّراتها النظرّية وتدّعي أنّها حق للجميع ، ولكنها لا تقدم لكل فرد الضمانات الواقعيّة الّتي تمكنه من ممارسة هذه الحرية . . . فأصبح مفهوم الحريّة بواقعه التطبيقي باباً مفتوحاً لفئة معينة ، ووقفاً خاصاً على الطبقات المتنفذة ، الّتي تملك رأس المال والنفوذ السياسي الذي يمكنها من السيطرة والاستغلال . . . فتحوّلت نظرية الحرية في العالم الرأسمالي إلى صورة مأساوية من صور العبودية والاستغلال الاقتصادي والسياسي للطبقات الفقيرة والمحرومة، وصارت منطلقاً لاستعمارالشعوب وامتصاص دمائها . . . أما الاسلام فقد كان واقعياً في كل خطوة من خطواته . . . عملياً في كل مناهجه . ولقد تجلت هذه الواقعية في مسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأدق صورها ، حينما كان يمارس بناء المجتمع الاسلامي على هدى المبادئ والشريعة القرآنية الخالدة . فقد روى عن عثمان بن مظعون وابن مسعود وأُبّي : (ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى أخرى حتّى يتعلّموا ما فيها من العمل ، فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً)(14) . . . . ولو ألقينا نظرة فاحصة متأملة على مساحة الشريعة الاسلاميّة ، وحاولنا النفاذ إلى عمقها؛ لوجدنا أن سبب الواقعية في الشريعة الاسلامية يعود إلى : أ ـ مراعاة التشريع الاسلامي للفطرة والتكوين الانساني عن طريق الاستجابة للغرائز والنزعات الفطرية والطبيعية في الانسان؛ وجعل الواجبات والمسؤوليات والقوانين المتعددة بمستوى طاقة الانسان وقدرته . ب ـ إن إقرار مبدأ التوبة وانفتاح أبواب العفو الالـهي أمام العصاة والخارجين على عدالة القانون وإرادته؛ لتمكين الانسان من الاستجابة والالتزام ليعالج واقع التعامل والسلوك الانساني ، ويراعي قدرة الانسان الارادية والنفسّية . . . فما من إنسان إلاّ وهو مُعَرّضٌ للخطأ والمعصية ـ إلاّ من عصم الله ـ، وما من إنسان إلاّ ويرسم في مسيرته خطّاً بيانياً ويعجز عن الاستقامة الدائمة . . . لذا كان مبدأ التوبة والعفو الالـهي ، أداة تشريعية لتمكين الانسان من تسديد مواقفه ، وتصحيح خط سيره ، وإراحة ضميره من وخزات الذنب ومشاعر التخلف والقصور التّي يبتلى بها المجرم والعاصي . ج ـ وجود مبدأ اليسر والسهولة . د ـ فرض العقوبات القانونية : ويأتي هذا المبدأ كتعبير عن التقويم الاسلامي الواقعي لطبيعة الدوافع والسلوك الانساني ، وكضمانة تعمل على تطبيق الشريعة وحماية نظام الحياة . . . فالله المُشرّع الحكيم الذي أراد لهذا الانسان أن يستجيب لكلمة الحق والخير ، ويهتدي بهدي الشريعة والقانون الالـهي؛ هو المطلع على حقيقة هذا الانسان ، وهو العالم بما تحمله النّفس الانسانية من دوافع واتّجاهات : (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) . . . وهو العالم بأن الانسان لابد وأن يقدم على المعصية ، ويمارس الخطيئة؛ فلذلك فتح له باب التوبة والعفو إن هو أخطأ أو أساء؛ كخطوة أُولى على درب الهداية عله يعود إلى رحاب الله ، ويتحسّس طريق النّور والاستقامة . . . والله يعلم أيضاً أنّ كثيراً من النّاس من لا يستمع إلى كلمة الحق ، ولا ينسجم مع قوانين الخير والعدل . . . ولا يفكّر في الانسحاب من الخطيئة ، أو تغيير وجهته الشريرة في الحياة؛ لذلك جعل العقاب علاجاً لمثل هؤلاء المنحرفين الذين يشكّلون خطراً على نظام الحياة ، ويمارسون تخريب أبنية الخير والسّلام ، ويفسدون في هذه الارض من الذين لا تصحّ توبة منهم ولا تقبل؛ نظراً لطبيعة الجريمة المرتكبة ، حيث يجب انزال العقاب : (وَلَكُمْ فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُوُلِي الالّبابِ لَعَلَكُمْ تَتَّقوُن) .(البقرة/179) ففرض العقوبة الرادعة لحماية قانون الحياة ، وتنفيذ إرادة الله الخيرة في هذه الارض . وقد جاءت الآية الكريمة وصفاً دقيقاً لهذه المراحل التوجيهيّة والاصلاحيّة والتقويميّة التّي مارسها الاسلام مع الانسان؛ قال تعالى : (لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلُنَا بالبَيِنّاتِ وأنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَاَلمِيزان؛ لِيَقوُمَ النّاسُ بالِقسطِ، وأنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأسٌ شَدِيدٌ ، وَمَنافِعُ للنّاسِ ، وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بالغَيْبِ ،إنَّ الله قَوِيٌ عَزِيزٌ) .(الحديد/25) وجاء في الحديث الشريف : ((إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)). فكل ذلك جاء تفسيراً دقيقاً لهذا المدلول القرآني وتأكيداً له . هـ ـ التدرّج والاجتهاد : ومن العوامل التشريعية والاسلوبية التي تمنح الاسلام صفة الواقعيّة هي ظاهرة التدرّج في تبليغ الاحكام في بداية الدعوة ، والقائها على مراحل وفترات زمنية متعاقبة استمرت ثلاثة وعشرين عاماً . فلم تُلق إلى الانسان دفعة واحدة ، ولم يكلف بها الناس كاملة من يومها الاول . . . وكما يعبر التدرج في التبليغ عن واقعية الاسلام ، ومراعاة الواقعية لطبيعة الانسان ، ولظروف البيئة التي يريد تغييرها؛ كذلك يعبر الاجتهاد عن ذات الحقيقة ، لانه اعتراف بتنامي الحياة الانسانية وتطور متطلباتها؛ فهو يقوم بدور التنمية المستمرّة للاحكام والقوانين الاسلامية التي توازي في امتدادها نمو الموضوعات والشؤون الحياتية المختلفة في مجال السلوك الفردي والاجتماعي . . . كمجالات السياسة والمال والقضاء والاقتصاد والتنظيم والادارة . . . الخ .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|