فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  المعالم الاساسية للرسالة الاسلامية


6 ـ خداع

في زحمة الصراع التاريخي المرير ، وتحت قسوة الظلم السياسي المستبد الّذي استعبد الانسان وأفقده حريّته وحقه الطبيعي في الحياة . . . راح الانسان يتخبّط ويبحث في متاهات الضياع . . . عله يجد المنقذ ، أو يكتشف الطريق . . . وراح هذا الانسان المضطهد الضال عن الطريق يعبر عن احساسه بمرارة الواقع ومعاناة الظلم بنظرّيات ومبادئ سياسيّة مختلفة . . . كالديمقراطية والاشتراكيّة والشيوعيّة . . . الخ . . . وراحت هذه النظريات والمبادئ ترفع شعارات الحرّية ـ المساواة ـ العدالة الاقتصادية والاجتماعية . . . الخ .
وراح الانسان في ظلّ الارهاب السياسي يضحي من أجل هذه الافكار وأمثالها؛علّه يكسر الطوق من حوله،أو يهدم جدران السجن الذي يعيش فيه..إلاّ أن هذه المبادئ والنظريات عندما نقلت إلى حيز التطبيق لم تكن بأفضل من عهود الانظمة السابقة لها..ولم تكن كما تصورها الانسان المضطهد المستغل..بل أثبت له التطبيق خيبة الامل وفرض عليه معاناة جديدة.
إلاّ أنه مع هذا الفشل المروع . . . ومع هذه النتائج السّيئة يبقى كثير من هذه الافكار والشعارات صحيحاً في مفهومه النّظري ، مُحبّباً في تعبيره اللّفظي . . . لانّ هذه المجموعة من الافكار والمفاهيم ـ الحرّية ـ المساواة ـ العدالة ـ . . . الخ هي من مدركات العقل الانساني المجرّد . . . والّتي يدرك كل عقل حسنها وصلاحيتها على مرّ العصور وتعاقب الاجيال . . . وهي ليست من مبتكرات هذه النظريات ، ولا من متبنياتها الخاصّة ـ كما تدّعي ـ . . وهي مع اكتشاف العقل الانساني لها ، وادراكه لسلامة معانيها؛ بقيت مفاهيم كلية فضفاضة تحتاج ترجمتها إلى تحديد عملي للقوانين والقيم التي تستطيع أن تحولها إلى مبادئ عمل ، ومنهج حياة . . . وكما أثبت الواقع العملي فان هذه النظريّات والمبادئ السياسّية الّتي طرحها الانسان - ـ من ديمقراطيّة واشتراكيّة وشيوعية ـ هي عاجزة ـ بحكم طبيعتها ـ عن ترجمة هذه المدركات الانسانيّة العامة ـ التي ادّعت هذه النّظريات الاختصاص بها ـ إلى قوانين عمل ومناهج حياة . . .
إلاّ أن الانسان في عُتمة التّضليل ، وفراغ الساحة وغياب المنهج الرائد ، ظل يتشبث بهذه الانظمة في بقاع كثيرة من العالم مخدوعاً بشعاراتها ودعاواها . . . وكان طبيعيّاً أيضاً أن يندفع هذا التيّار السياسي باتّجاه العالم الاسلامي . . . بعد أن انحطّ وعي المسلمين السياسي ، وتفشّى في صفوفهم الجهل برسالتهم وشريعتهم . . . وبعد أن ذاقوا ويلات الظلم والاضطهاد والاستعباد الغاشم . . . وبعد انتصار الغزو الاستعماري العسكري والحضاري في بلادهم.
فبعد كل ذلك كان طبيعياً أن يتأثّر الكثير من أبناء الاسلام بحركة هذا التيّار السياسي دون أن يعوا خطورة هذه المبادئ ، أو يكتشفوا زيفها وفشلها، ودون أن يدرك الكثير منهم تعارض هذه المبادئ ـ الديمقراطيّة والاشتراكيّة والشيوعية . . . الخ - مع النظام والمعتقد الاسلامي . . . بل تصوّر الكثير من أبناء الاسلام المخدوعين بهذه التيّارات ـ بما فيهم بعض الكتاب ـ أن الاسلام نظام ديمقراطي ، وصوّره بعضهم نظاماً اشتراكياً . . . بل وتطرّف البعض الآخر فقبل الّلقاء بين الاسلام والماركسيّة . . . مخدوعين ببعض الشعارات كشعار ـ الحرية ـ العدالة ـ المساواة ـ الرفاه الاقتصادي والاجتماعي ـ مكافحة الاحتكار والاستغلال . . . الخ التي ترفعها هذه النظريات ، بعد أن وجدوا عراقة هذه الشعارات في الاسلام واهتمامه بها .
فاستنتجوا خطأ من هذا الّلقاء في بعض المفاهيم الكلّية العامّة . . . استنتجوا الّلقاء الكامل بين الاسلام وهذه الانظمة . . . فالّذي وجد مفاهيم الحرّية والعدالة والمساواة في الاسلام اعتبر الاسلام نظاماً ديمقراطياً . . . ما دامت الديمقراطيّة ترفع هذا الشعار وتنادي به . . .
والّذي تعرّف على أنظمة الاسلام الاقتصاديّة ومكافحته للتضخّم الرأسمالي راح يطلق عليه اسم الاشتراكيّة ، ما دامت الاشتراكية ترفع هذه الشعارات . . . وهكذا اختلطت المفاهيم وضاع الوضوح وارتبكت الرؤية . . . لذا كانت هذه المسألة الفكرية الخطيرة بحاجة إلى استئصال عميق لجذورها ، ومعالجة ناجحة للآثار الحضاريّة الناشئة عنها .
وبالعودة إلى الاسلام ودراسته دراسة تحليليّة دقيقة ندرك ـ وكما أوضحنا في كتابنا هذا ـ أنّ للاسلام مبادئه ومنطلقاته ، وله قوانينه وتشريعاته وقيمه وأخلاقه ، وله خصائصه وغاياته . . . الّتي تميّز شخصيتّه وهويّته في مجالها الاقتصادي والسياسي عن باقي الانظمة والمبادئ السياسية والاقتصادية . . . لذا فان التلاقي ببعض المفاهيم والمدركات العقلية العامة لا يعني وحدة الطبيعة واتحاد الكيان.. وبذا يكون النظام الاسلامي إسلامياً فقط؛لا اشتراكية فيه ولا ديمقراطية ولا أيّة صفة أخرى.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com