قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: من هو المشرع
3 ـ عملية الصياغة القانونية:
أو التعبير اللغوي المعبر عن معنى القوانين وأهدافها ، بطريقة يفهمها الإنسان المكلف بها ليجري حياته ، ويبني علاقاته ، وينظم سلوكه ونشاطه الفردي والاجتماعي على اساسها . والمراحل الثلاث التي يمر بها التشريع ليست مقدورة بصيغتها الحقيقية الا لخالق الوجود وحده ، فهو خالق الإنسان وهو الخالق للقوانين والانظمة ، وهو العالم بها ، والمحيط بكل وقائعها والصادق في التعبير عنها ، بعكس الإنسان المشرّع فعلمه وقدرته محدودة في اكتشاف القانون والنظام الطبيعي للحياة ، اضافة إلى انتفاء صفة النزاهة والموضوعية عنه في حالة تعامله مع القانون ، فهو يزيّفه لصالحه أو لصالح فئة معينة ، ولا يعبر عن الحقيقة القانونية بصيغتها العلمية والموضوعية. والادلة كثيرة ومتعددة على ذلك؛ مثالها ان الإنسان عندما اكتشف ضرر الخمر ، والزنا والربا والاحتكار . . الخ لم يحرم شيئا من ذلك ، ولم يستفد من الحقيقة العلمية المكتشفة ، بل تمادى في مغالطة الحقيقة وطمس معالمها ، لذا كان اختصاص الحكم والتشريع بالله وحده هو الطريق لانقاذ الإنسان وانتشاله من هاوية السقوط ، لان الله هو النزيه العالم بكل خفايا هذا الإنسان وخبايا حياته (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيفُ الْخَبِيرُ) .(الملك/ 14) والله سبحانه هو القادر على ايصال ما يريد ايصاله للانسان بالطريقة التي يفهمها الإنسان ، ويستطيع التعامل معها عن طريق الوحي والأنبياء ، بعد أن تصاغ بهيئة لفظية واضحة المعنى والدلالة لديه، وبهذا جاءت الشرائع والرسالات الإلهية جميعاً ناطقة وداعية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبّيِنَ لَهُمْ . .).(ابراهيم/ 4) (الر كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيكَ لَتُخْرجَ النَّاسَ مِنَ الظلُّمَاتِ إِلَى النُّوِر بإِذْنِ رِبّهِمْ إِلى صِراطِ العَزِيِزِ الْحَمِيدِ).(ابراهيم/ 1) (إِنَّ هَذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلِتَّي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِرُ الْمُؤمِنيِنَ الَّذِينَ يَعْمَلوُنَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً).(الإسراء/ 9) وصدق الامام الصادق (عليه السلام) حين قال: ((القرآن عهد الله إلى خلقه ، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده ، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية))(1). فمن هذا المنطق صور لنا القرآن الكريم حقيقة التشريع الإلهي الذي يبشر به الأنبياء ، بأنه الحقيقة الوجودية المتسقة مع طبيعة الوجود الإنساني ، وكشف لنا عن عدم صلاحية غيره من قانون أو نظام أو منهج لاستيعاب الحياة وتنظيمها ، الا أن تبدل طبيعة الإنسان ، أو تغير هيئة الحياة ، لان هذا الدين هو التصميم الإلهي الموافق لطبيعة الفطرة ، وللتركيب الإنساني المتعدد الجوانب؛ قال تعالى: (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً).(الفتح/ 23) (واتْلُ مَآ اُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِكَ لاَ مُبَدِلَ لِكَلِماتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونهِ مُلْتَحَداً).(الكهف/ 27) (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).(الانعام/ 115) ــــــــــــــــ 1ـ السيد الخوئي ـ البيان في تفسير القرآن ص 45 . (أَمْ تُريدُونَ أن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتبدَلِ الْكُفْرَ بِالايمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواء السَّبِيلِ).(البقرة/ 108) (وَلَو اتَّبَعَ الحَق اهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ الْسَّمَاوَاتُ والارض وَمَن فِيهِنَّ بَلْ اتيناهم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُعْرِضُونَ).(المؤمنون/ 71) وهكذا جاء القرآن بآياته ومفاهيمه ، ليكشف عن العيون سحب العمى ، ويزيح عن العقول شبهات الوهم والجهل الذي يصور للانسان قدرته على ارتجال نظام اعتباطي حسب رغبته وهواه ، وليدرك الإنسان أن نظاماً كهذا العبث المرتجل لا يمكنه أن يحل مشكلته أو ينظم نشاطه وعلاقاته الفردية أو الاجتماعية المختلفة . لان القانون في هذه الحال لم يقم على أسس موضوعية ، وليس له حقيقة واقعية يجري عليها سوى تصور الإنسان وتخيلاته . فنحن لو سألنا المشرع الوضعي مثلا لماذا جعلت الغرامة مائة دينار أو السجن لمدة سنة عقوبة لهذه الجريمة ، أو تلك؟ وهل تقوم مثل هذه العقوبة على أساس موازنة قيمية ووجودية دقيقة ، بحيث يكون طرف الجزاء في المعادلة التشريعية يساوي طرف الجريمة من حيث حجمها وأثرها الخارجي في الواقع الاجتماعي ، أو ردها النفسي ، بحيث تكون كافية للردع ، وعادلة في اقرار موازنة الحساب بين الاطراف الداخلة في الحكم؟ وعلى أي أساس بنيت تقديرك ، واستنتاجك ، وتشريعك لهذه العقوبة؟ لو طرحنا عليه مثل هذه الاسئلة . . لما استطاع ان يضع لنا الجواب العلمي الدقيق ، ولما استنتجنا من الحوار معه الا أنه يخرص ويتخبط ، ويضع ويشرع بلا ميزان ولا قياس ، ودون أن يدرك أنه يمارس بعمله التشريعي هذا عملية احداث وجودية عابثة في نظام الحياة ، تعاكس منطق العدالة وتناقض مبادئ الوجود . وان مثل هذا التشريع يحدث بأثره السلبي خللاً كونياً بموازنة الحق والعدل الذي قامت على اُساسه كل حقيقة في هذا الوجود: ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واُولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم).(آل عمران/ 18) وصدق الله القائل: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الارض يُضِلُّوكَ عَن سَبِيِل اللهِ ، إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ).(الانعام/ 116)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|