فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  من هو المشرع


1 ـ قيام القانون الإسلامي على موازين ومعايير يوزن بها التشريع ، ويقاس بها القانون:

فللقانون الإسلامي ميزان يوزن به ومقياس يقاس على أساسه لتحديد طبيعته وقيمته ، وأثره وغايته ، واتساقه مع غاية الوجود الكبرى .
فالقانون الإسلامي يقوم على أساس من معيار «الحق والعدل» كقيمتين ثابتتين في الحياة .
ويشكل هذان المفهومان «الحق والعدل» الأساس والقاعدة التي يجري عليها التشريع الإسلامي بأسره ، فما من قانون ولا تشريع الا وقد قام على أساس هذين المبدأين ، شأنه شأن سائر حقائق الكون الأخرى . . ولو شئنا التعرف على (فكرة الحق والعدل) من وجهة النظر الإسلامية لاستطعنا ان نكتشف السر في قيام التشريع الإسلامي وابتنائه على هاتين القاعدتين ، فهو يكمن في:ـ
أ ـ ان توفر صفة الحق في الشيء تمنحه اهلية الولادة والحدوث المشروع في حياة المجتمع ، لان الباطل لا موضع له ولا أصالة في نظر الإسلام ، ولذا سمي باطلاً ـ أي زائلاً لا ثبات له ، وعبثاً لا مبرر لوجوده ، وهدراً لا قيمة لذاته ـ ، وما هو الا التناقض والاتجاه السلبي الذي يمارسه الإنسان ضد فكرة الحق ، لذا رفضه القرآن واعتبره طارئاً زاهقاً لا يقوى على احتلال مكان الحق والثبات في عالم التحقق:
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ).(الأنبياء/ 18)
(وَقُلْ جاء اَلْحَقُ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً).(الإسراء/ 81)
ومن يستطيع أن يشخص فكرة الحق التي تمنح الشيء «قانوناً كان أو موضوعاً» أهلية الحدوث واحتلال موقع محدد في عالم الوجود غير خالق الوجود الذي احاط علمه بكل شيء؟ .
لذا جاء تشريع المشرع الوضعي(1) باطلاً لا يعرف الحق واعتباطاً لا يعرف التقييم ، وجزافاً لا يعرف التقدير ، وزائلاً لا يملك الثبات، وعبثاً لا مبرر لوجوده ، غير ارادة المشرع وهواه .
فالإنسان المشرع ـ وهو يشرع ـ لا يعرف موقع التشريع ولا قيمته أو آثاره بالنسبة لحقائق الوجود وغاياته .
لذلك وصف القرآن الكريم هذا التصرف من الإنسان بأنه: خلط وخبط وتيه ، وجهالة وتزييف ، فتساءل مستنكراً تصرف هذا الإنسان الجاهل الذي تصدى لمسؤولية التشريع بقوله:
(وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).(البقرة/ 42)
ــــــــــــــــــ
1ـ المشرع الوضعي هو الذي يضع القوانين من تلقاء نفسه وحسب رغبته ومشيئته .
(أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الآَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَة مِن رَّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً أولَئِكَ يُؤْمِنُونَ به ، وَمَّن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَاب فَالنَّارُ مَوْعِدُه فَلاَ تكُ في مِرْيَة مِنْهُ إنَهُ الْحَقُّ مِن رَّبِكَ وَلَكِنَ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤمِنُونَ).(هود/ 16 ـ 17)
ثم أكد بعد ذلك هدف التشريع الإلهي ودوره في تحديد الحق وطرد افرازات النفس البشرية الضالة التي اقحمت على الحق منهجاً وتشريعاً عابثاً باطلاً فقال تعالى:(لِيُحِقَّ الحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمجْرِمُونَ).(الأنفال/ 8)
(وَبالْحقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِ نَزَلَ . .).(الإسراء/ 105)
ب ـ والمعيار الثاني الذي يقوم عليه التشريع الإسلامي هو معيار (العدل) ، والعدل هو الميزان الذي توزن به الاشياء ، وتعرف قيمتها ، فهو وضع الشيء في موضعه ، واعطاء كل ذي حق حقه .
ويحتل العدل الموقع الثاني في التشريع الإسلامي بعد مقياس الحق ، اذ كل شيء اكتسب صفة الحق يكون اقراره وتنفيذه في رأي الإسلام عدلاً وحذفه ظلماً وعدواناً .
والعدل هو صفة الله المقدسة التي تنطبع آثارها في كل أفعاله ومظاهر رحمته ، بما فيها القانون الموحى للبشرية جمعاء، لذا فان مفهوم العدل في القرآن يسلك كقاعدة أساسية تقوم عليها كل افعال الله سبحانه ، سواء التكوينية منها أو التشريعية .
وقد عبر القرآن الكريم عن وجود هذا المقياس في الشريعة الإسلامية بعبارات مختلفة ، كالميزان ، والقسط ، والعدل ، والقسطاس المستقيم . . الخ .
فقال عز من قائل:(إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمنكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(النحل/ 90)
(إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤدَّوا الاَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمِ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ، إِن اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ، إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً).(النساء/ 58)
(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آباءنَا وَالله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللهَ لاَ يَأمُرُ بِالْفَحْشاءِ ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُون . قُلْ أَمَرَ رِبّي بِالْقِسْطِ وَأَقيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الّدِينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).(الأعراف/ 28 ـ 29)
(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً وَإِن كانَ مِثقالَ حَبة مِنْ خَردَل أَتيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسبينَ).(الأنبياء/ 47)
وكما دعا القرآن للعدل بالتأكيد عليه ، قام أيضاً بشجب الظلم واستنكاره في مواضع متعددة وحمل على الظالمين وتوعدهم باللعنة والعذاب ، مثال ذلك قوله تعالى: ( . .وَسَيَعْلَمُ الذَّينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنقَلب يَنقَلِبُونَ).(الشعراء/ 227)
(يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظّالِميِنَ مَعْذِرتُهُمْ وَلَهُمُ اللعَّنةُ وَلَهُمْ سُوءُ الْدَّارِ).(غافر/ 52)
وبذلك اعتبر الإسلام (العدل) قاعدة أساسية لقيام أي شيء في الحياة ، فلا يصح فعل أو قانون الا على أساس فكرة العدل ، لان العدل يحدد للموضوع وللتشريع قيمته وقدره ، ويبين موقعه في موازنة الاشياء والإحداث ، ليأتي التشريع دقيقاً موزوناً لا تضييع فيه ولا ظلم . ويفقد القانون الوضعي مثل هذه القيم والمقاييس والموازين (الحق والعدل) بصيغتها الموضوعية وبطبيعتها الواقعية .
لانه لا يملك فكرة واقعية محددة وثابتة عن مفهوم العدل؛ وانما ينظر اليها نظرة نسبية تخضع لطبيعة الاوضاع والتقديرات الإنسانية الذاتية، لذلك تحول مفهوم «الحق والعدل» إلى اعتبار إنساني تتلاعب به اهواء المشرعين ورغبات المقننين .
ففقد القانون الوضعي بذلك أهم قواعده وموازين تقييمه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com