اسم الكتاب: من هو المشرع
8 ـ الخلود:
والميزة الكبرى التي يمتاز بها القانون الإسلامي هي صفة الخلود ، وقد تمتع الإسلام بهذه الصفة التي توفر القدرة على استيعاب العصور والبقاء مع الاجيال كقائد وموجه ، ورائد لها في طريق الخير والهداية والبناء الحضاري السليم . نعم تمتع الإسلام بصفة الخلود هذه بسبب توفر عوامل ذاتية كثيرة فيه منها: أـ ان الإسلام يمثل منطق الحق والعدل الازلي في الحياة لانه يعبر عن ارادة الله وحكمته الازلية في الوجود ، قال تعالى: (إِنَّ الله يَأمُرُ بِالْعَدْلِ والاْحْسَانِ).(النحل/ 90) وقال: (قُلْ أَمَرَ رَبِيّ بِالْقِسْطِ . .).(الأعراف/ 29) وقال تعالى: (وَبِالْحَقّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقّ نَزَلَ . .).(الإسراء/ 105) ب ـ ان الإسلام يعبر عن الصيغة التشريعية الشاملة لكليات القوانين الإنسانية الخالدة في الإنسان ذاته سواء الجسدية منها والنفسية ، أو الفكرية والروحية . فهو ليس وليد ظرف اجتماعي معين ، ولا نتاج فكر إنساني محدود بحدود زمنية وفكرية محصورة ، بل هو «الصياغة التشريعية لطبيعة الحياة الإنسانية والكشف الكامل عن قوانينها وأنظمتها» . ج ـ ولان الإسلام لم يفرض صيغة معينة للتطبيق والتنفيذ، بل جعل الوسائل والاساليب التطبيقية مرنة مفتوحة ، يختار منها الإنسان في كل عصر ما يمكنه من التنفيذ والاجراء ، شريطة الالتزام بروح الشريعة والتنفيذ الكامل لمقرراتها . د ـ انفتاح باب الاجتهاد والاستنباط التشريعي والفكري الملتزم وفق الاسس والقواعد الفكرية والتشريعية المعتبرة في الإسلام . أما القانون الوضعي فلا يملك مثل هذه الخصائص والصفات ، غير أنه تشريع محدود يحدد ارادة المشرع ووعيه الاجتماعي المرتبط بحدود ظرفية ومصلحية تنعكس على روح التشريع وتدمغه بالعجز والقصور ، وبشكل يجعله بعيدا عن الاستجابة لقوانين الحياة الطبيعية وتلبية النمو والتكامل الإنساني السليم ، مما اعطى الفرصة للتلاعب فيه ، وجعله صيغة فضفاضة تتلاعب بها ارادات المشرعين ، وتتحكم بها أهواء المتسلطين الذين يضعون القانون ويبدلونه متى شاؤوا ، ومتى ما تضارب مع مصالحهم واهوائهم ، مثلهم مثل الذين قال فيهم الكتاب العزيز: (إِنَّما النَّسِيءُ زيَادَةٌ في الْكُفْرِ يُضلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زِيّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).(التوبة/ 37) فهم يملكون وضعه وتبديله والتلاعب به حتى كأن ليس للحق والعدل ، ولا للقانون حقيقة قائمة بذاتها في عالم الوجود غير مصالحهم واهوائهم الخاصة! وصدق الله القائل: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالارض وَمَنَ فِيِهنَّ . .). (المؤمنون/71) وهكذا ، فان القانون الوضعي لا يمثل الا ارادة المشرع المتسلط ، ولا يعبر الا عن اهوائه ومصالحه ، بعيداً عن منطق الحق والعدل بصفته الموضوعية الحقة ، لان الحق في عرف هذه القوانين هو كل ما يرتضيه المشرع ، والعدل هو كل ما يتطابق واهواء المقننين ويحمي تسلطهم ومصالحهم .
|
|