قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
فرضية مجدد ديني كل قرن
هنا أود أن أذكر موجزاً لتاريخ الرأي القائل بأن الدين يحتاج الى احياء وتجديد ، وأنّه لتأريخ يدعو للاسف . كثيراً ما سبق لي أن قرأت مضمون حديث منسوب الى الرسول الاكرم بخصوص ظهور مصلح ديني كل قرن يقوم بتجديد الدين واحيائه . والحديث هو هذا : « ان الله يبعث لهذه الاُمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» . لقد تكرر مرور مضمون هذا الحديث في كثير من الكتب التي قرأتها ، وحتى في مصنفات بعض علمائنا ، وهم يحسبون السنين ليكشفوا من كان مجدد الدين في القرن الثاني مثلاً ، وفي القرن الثالث ، وهكذا حتى يومنا هذا . ولكني سعيت الى أن اصل الى أصل هذا الخبر وأساسه . قبل البدء بمسيرة الاستقصاء ، لم أكن في نفسي اصدق أن النبي يقول قولاً كهذا ، ولكني واصلت البحث فوجدت أن هذا الحديث لم يَرِدْ أصلاً في طرق الشيعة ، باستثناء بعض علماء الشيعة الذين بحثوا في هذا الحديث وقاموا بالحساب . من حيث سند هذا الحديث ، نجد أن الذي نقل هذا الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو أبو هريرة ، ذلك الوضّاع الكذّاب المعروف . أمّا الذين نقلوا عنه فلم يتح لي التحقيق في أمرهم ومعرفة طراز شخصياتهم . ترى هل ينسجم هذا الحديث نصّاً ومضموناً مع التاريخ ، بصرف النظر عن سنده ؟ أي أنّنا لو بحثنا في التاريخ الاسلامي ، هل نجد الواقع كما هو في الحديث ، وهل نعثر على مجدد ديني على رأس كل مئة سنة ؟ ليس في التاريخ ما يؤيد هذا . إلاّ أنّنا نرى أن بعض علماء السنة قد جلسوا يحسبون السنوات ، وقالوا ان في بداية القرن الثاني قام فلان بتجديد واحياء الدين ، وفي القرن الثالث الشخص الفلاني ، وفي القرن الرابع الشخص الفلاني . والاعجب من ذلك أن بعضاً من علماء الشيعة ـ بدلاً من أن يقولوا أن سند هذا الحديث هو أبو هريرة ولا اعتبار له ولا يتفق مع التاريخ فلا بد من هجره ، لانّه لو كان من احاديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعثرنا عليه في اخبار أهل البيت ايضاً ـ اعتبروا الحديث مسلّماً به ، وراحوا يحسبون حساباتهم ايضاً . لا أعلم مدى التوافق بين مضمون هذا الحديث مع روحيتهم بحيث أنّهم تقبلوه على الرغم من ضعف سنده وضعف مضمونه ، وأخذوا يضعون حساباتهم ، وقالوا أن مصداق هذا الحديث في أول القرن الثاني هو الامام الباقر(عليه السلام) ، وفي بداية القرن الثالث هو الامام الرضا(عليه السلام) ، وفي القرن الرابع هو الكليني، وفي بداية القرن الخامس هو السيد المرتضى أو الشيخ المفيد ، وفي بداية القرن السادس هو الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان ، وفي بداية القرن السابع هو الخواجة نصير الدين الطوسي، وفي بداية القرن الثامن هو العلامة الحلي ، وفي بداية القرن التاسع هو الشهيد الاول ، وفي بداية القرن العاشر هو المحقّق الكركي ، وفي بداية القرن الحادي عشر هو الشيخ البهائي ، وفي بداية القرن الثاني عشر هو المجلسي ، وفي بداية القرن الثالث عشر هو الوحيد البهبهاني ، وفي بداية القرن الرابع عشر هو الميرزا الشيرازي . أولاً ، أن كثيراً من هؤلاء لا تنطبق تواريخهم مع مطلع القرن ، فلا يمكن اعتبار الخواجه نصير الدين الطوسي المجدد في مطلع القرن السابع ، وذلك لانّ ولادته كانت في بداية القرن السابع ، وظهر ونبغ في منتصف القرن ، ووفاته في النصف الثاني من ذلك القرن (672) . ثانياً لماذا لم يحسبوا الامام جعفر الصادق (عليه السلام) ضمن المجددين ؟ هل كانت فرصته ، مثلاً ، اقل ممّا اتيح للامام الباقر (عليه السلام)؟ أم لانّ قلمهم قد تعداه لانّه لا يطابق الحسابات التي وضعوها ؟ أن من بين الائمة (عليهم السلام) اثنين ينبغي أن نعدهما من أكبر المجددين : الحسين والصادق(عليهما السلام) ، فكل منهما ، وكل من وجهة خاصة ، قد وفق لان يكون مجدداً ومحيياً للدين ، ولكنهما اُهملا لان حساباتهم لم تنطبق عليهما . وعلى النحو نفسه أدخلوا عدداً من العلماء في عداد المجددين ، ونحّوا بعضهم الاخر عن ذلك ، مع أن الذين لم يحسبوا لكونهم جاؤوا في منتصف القرن ، قد خدم بعض منهم الاسلام خدمة أكبر . من ذلك مثلاً الشيخ الطوسي الذي يذكرونه ، مع أنّه قد لا نجد بين علماء الاسلام من خدم خدمته ، وقد لا يبلغ شأوه إلاّ واحد أو اثنان . كذلك سها قلمهم عن ذكر الشيخ مرتضى الانصاري . والاعجب من ذلك هو أن بعضهم،مثل صاحب«منتخب التواريخ»يأتي بسلسلة من الخلفاء والسلاطين ويقول أنّهم كانوا من المجددين في الدين،وهو أمر مضحك.يقول:في أوائل القرن الثاني عمر ابن عبدالعزيز جدد الدين،وفي أوائل القرن الثالث المأمون وفي أول القرن الرابع المقتدر،وفي أول القرن الخامس عضدالدولة الديلمي،وفي أوائل القرن السادس السلطان سنجر السلجوقي ، وفي أول القرن السابع هولاكو المغولي ، وفي أول القرن الثامن شاه خدابنده ، وهو من المغول ايضاً، وفي أول القرن التاسع الامير تيمور الگوركاني ، وفي أول القرن العاشر الشاه اسماعيل الصفوي ، وفي أول القرن الحادي عشر الشاه عباس الصفوي،وفي أول القرن الثاني عشر نادرشاه افشار،وفي أول القرن الثالث عشر فتح علي شاه . هؤلاء هم الذين جددوا الدين وأحيوه في أوائل القرون في الاسلام . وهذا أمر «لا يرضى به شيعي ولا سني» اذ هو لا يتطابق مع العقائد الشيعية ولا السنية ، ولا مع التاريخ ، ولا مع أي شيء آخر . ولابدّ من شكر الله على أنّهم لم يضعوا جنگيزخان المغولي بين المجددين. كأن الامر هو أنّه اذا صار أحد باسم الدين رئيساً أو زعيماً أو مقتدراً أو ثرياً ، تجدد الدين وعادت اليه الحياة . كلا ، أيها السادة ان احياء الدين يتحقّق بمقدار التزام الناس العمل بالدين ، وبمقدار ما يطبقونه من تعاليمه . ذلكم هو احياؤه وتجديده .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|