اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
التجديد في كل ألف سنة
ان فكرة ظهور مجدد كل مئة عام مهدت الطريق لقبول فكرة اُخرى هي ظهور مجدد كل ألف سنة ، وهي ماتتمسك بها الفرق الضالّة. ان لهذه الفكرة قصّتها ايضاً ، وهي واردة في فلسفة الايرانيين القدامى . ولها في الفلسفة الهندية اصول . فقد جاءت في الفلسفة الايرانية والهندية على أساس من العلوم الطبيعية ، وهي علوم خطأ ، فجاء الاستنتاج منها خطأ ايضاً . وقد أشار الى ذلك شيخ الاشراق في الفلسفة الاسلامية ، ونقلها الحاج السبزواري في منظومته : قيل نفوس الفلك الدوار نقوشها واجبة التكرار يُردّد في الفلسفة اصطلاح «الدور والكور» ويقصدون أنّه في كل بضعة آلاف من السنين يتجدد كل شيء في العالم ويتكرر . يصبح كل شيء جديداً ، لكنه يكون شبيهاً بما سبقه . ويظهر لكل فرد شبيه ، ولكل مُحيي ومصلح مُحيي ومصلح يشبهانهما ، وتظهر حوادث جديدة مشابهة لما سبق . ولكنهم قالوا إن هذا التكرار يحدث في العالم على فترات مقدار كل منها خمسة وعشرون الفاً ومئتا سنة ، على اعتبار أن الدورة الفلكية للثوابت تستغرق هذا الزمن . ثم وقعت هذه الفكرة بيد بعض المسلمين النسّاجين من الخيال فجاؤوا الى القرآن يريدون تطبيقها عليه ، وقالوا أن القرآن يقول:(وان يوماً عند ربك كألف سنة ممّا تعدون)(5) اذن فكل يوم من الايام الالهية ألف سنة ، ولما كانت السنة ثلاثمئة وستين يوماً ، فكل سنة الهية تساوي ثلاثمئة وستين ألف سنة ، وعليه فانّ دورة العالم تستغرق ثلاثمئة وستين ألف سنة ، أي أن العالم يكمل دورته في هذه المدة ، ثم يتجدد . تلك ايضاً فكرة . لا شك في سخف هذا الكلام ، اذ لا يخرج من الضلال غير الضلال . واني لم أُشر اليه هنا إلاّ لانّه من جملة السموم التي تسللت الى أفكارنا ، فلا بد من طردها والتخلص منها ، وإلاّ فلن نستطيع احياء أفكارنا . ثم جاءت جماعة اُخرى من المضلين وأخذوا آية اُخرى من القرآن الكريم من سورة السجدة : (يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج اليه في يوم كان مقداره ألف سنة ممّا تعدون)(6) وفسّروها بقولهم أن اُمور الناس تتدبر وتتجدد على أيدي الانبياء في كل ألف سنة مرة واحدة . وقالوا ان التدبير هو التجديد على يد نبي يأتي في يوم مقداره ألف سنة ، ثم يأتي نبي آخر كل ألف سنة . وعلى اثر ذلك ظهر ضلال كبير في عالم التشيع واتبع قوم هذه الافكار التافهة . لا يا سيدي ، ليس هذا من شأننا ، وليس عندنا أن يأتي مجدد كل مئة سنة . انما عندنا ، شخص واحد ، وهذا على صعيد مختلف ، صعيد العالم كله ولا يختص بعالم الشيعة فقط ، وهو حضرة الحجة (عليه السلام) ، وهو يأتي للعالم أجمع ، وان الذين تسمعونهم على المنابر يقولون انّه سوف يأتي وينقذ حفنة من الشيعة ، ان حفنة من الشيعة هذه كذب ، ولا يمكن أن يكون صاحب الزمان حاميها . انّه مصلح للعالم كله ، وليس لنا أن نعيّن له موعداً بالمرة ، لا بعد بضع سنوات ولا بعد عشر سنين ، ولا بحساب الحروف الابجدية التي يخرجون علينا بها كل يوم ، فمرة يحسبون لنا حروف الاية : (أن الارض لله يورثها من يشاء)(7) ومرة اُخرى الاية : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي الصالحون)(8) ويقولون أنّه سيظهر في السنة الفلانية . ايّاكم وهؤلاء ! احذروهم ! كذّبوهم ! فقد (كذب الوقّاتون) . وليس في العالم ، لا أنا ولا انتم ولا أي مصلح آخر ، يستطيع أن يدّعي بأنه يريد أن يحقّق العمل الفلاني . إنّه أرفع من كل هذا . وعلى حد قول احد الفضلاء : مرة نريد أن ننير بيتنا ، ومرة ننتظر أن ينار العالم كله . ان أنارة العالم ليست ضمن ارادتي أو ارادتك إن له حساباً آخر ، فلا بد من طلوع الشمس حتى يستنير العالم كله . أن ما في طوقنا هو القيام بواجبنا في إنارة بيوتنا وشوارعنا ومدينتنا . أمّا خارج ذلك فلا يدخل ضمن هذا الحساب . إن جذور الاخطاء السابقة هي أنّهم كانوا يقيمون حساباتهم على شخصيات الافراد ، لا على عامة الناس . والان فلنجلس ونحاسب أنفسنا . هل أن تفكيرنا تفكير اسلامي حقّاً ؟ وهل التفكير الاسلامي في ادمغتنا حي أم ميت ؟ أنّنا الان ينبغي ألاّ نركض وراء غير المسلم لنجعله مسلماً . صحيح أن هذا هو منتهى الامال ، وياليت بالامكان حصول هذا . ولكنّ الذي يجب أن يشغل بالنا بالدرجة الاُولى في الوقت الحاضر هو هذا الفكر الديني الذي نحمله نحن المتدينين المسلمين ، المصلين ، الصائمين ، الزائرين للعتبات ، الحجاج ، هذا الفكر الذي نحمله نصف ميت أو في حالة خمود، هذا الفكر فينا يجب احياؤه . لا فائدة بغير هذا . لنفرض أن عدداً من الاوربيين أسلموا ، ولكنهم حالما يروننا يندمون ويرتدون عن الاسلام.
|
|