فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


اقبال وفكرة الاحياء

اقبال من الشخصيات المعاصرة التي انبرت الى مسألة الاصلاح الديني . وأخيراً تُرجم له كتاب بالفارسية يحمل اسم (تجديد التفكير الديني في الاسلام) ويضم سبع محاضرات أكاديمية ألقاها العلامة في باكستان تحت العناوين التالية :
ـ المعرفة والتجربة الدينية .
ـ المحك الفلسفي وتجليات التجربة الدينية .
ـ الحرية وخلود الذات البشرية .
ـ روح الثقافة والحضارة الاسلامية .
ـ مبدأ الحركة في الاسلام .
ـ تصور الله ومعنى الدعاء .
ـ هل الدين ممكن ؟
ويبدو أن هذا العنوان الاخير مستلّ من تساؤل طرحه (كانت) .
ولابدّ أن نؤكّد في البداية أن معالجة اقبال للموضوعات التي طرحها ليست كاملة ، وغير خالية من النقص ، لكنّها تستحقّ كل التقدير والتثمين لصدورها من مفكر سبر أغوار الفكر الاوربي واطلع بدقة على الحضارة الاوربية .
اقبال شاهد الحضارة الغربية عن كثب ، وجهد في فهمها وتحليلها وكتب بلغتها حتى عرفه الغربيون كعالم مفكر ، لكنه لم ينبهر بمظاهر هذه الحضارة ، بل حمل عليها وأكد على ما تنطوي عليه من أخطار ، وعلى المستقبل الاسود الذي ينتظره ، وحذّر شعوب الشرق من الانجرار وراءها .
يقول في ديوانه «ماذا ينبغي أن تعمل شعوب الشرق»(9):
«ولكن اياك والحضارة اللادينية التي هي في صراع دائم مع أهل الحقّ ، ان هذه الفتّانة تجلب فتناً وتعيد اللاّت والعزّى الى الحرم ، إن القلب يعمى بتأثير سحرها ، وان الروح تموت عطشاً في سرابها ، انّها تقضي على لوعة القلب ، بل تنزع القلب من القالب ، انّها لصّ قد تمرّن على اللصوصية فيغير نهاراً وجهاراً ، وانّها تدع الانسان لا روح فيه ولا قيمة له» .
ويقول الديوان المذكور :
«ان شعار الحضارة الحديثة الفتك ببني آدم الذي تقوم عليه تجارتها ، وتنفق سلعتها، ليست هذه المصارف العظيمة إلاّ وليدة دهاء اليهود الاذكياء الذي انتزع نور الحقّ من صدور بني آدم. إن العقل والحضارة والدين حلم من الاحلام ما لم يعد هذا النظام رأساً على عقب».
«ان أساس هذه الحضارة ضعيف منهار ، وجدرانها من زجاج لا تحتمل صدمة» .
«ان الفكر المارد الذي أزاح الستار عن قوى الطبيعة أصبح بمجموعه يهدد وكر الغربيين ومهدهم» .
«ان العصر يتمخّض عن عالم جديد، وان العالم القديم الذي حوّله الغربيون مكاناً للقمار، يقامر فيه بأمن العالم وكرامة الاُمم يلفظ أنفاسه».
«ان نور الحضارة باهر ، وشعلة حياتها ملتهبة وهّاجة ، ولكن لم يكن في ربوعها من يمثل دور موسى فيتلقى الالهام ، ويتشرف بالكلام ، ولا من يمثل دور ابراهيم فيحطم الاصنام ، ويحوّل النار الى برد وسلام» .
«ان عقلها الجريء يغير على ثروة الحب وينمو على حساب العاطفة . ان عماليقها وثوارها قد طغى عليهم التقليد فلا يخرجون ـ حتى في ابتكارهم وثورتهم ـ عن الطريق المرسوم والدائرة المحدودة» .
«لقد تضخم العلم وتقدمت الصناعة في أوربا ، ولكنّها بحر الظلمات ليست فيه عين الحياة ، ان أبنية مصارفها تفوق أبنية الكنائس في جمال البناء ، وحسن المظهر والنظافة ، أن تجارتها قمار يربح فيه واحد ويخسر ملايين ، ان هذا العلم والحكمة والسياسة والحكومة التي تتبجح به أوربا إلاّ مظاهر جوفاء ، ليست وراءها حقيقة ، ان قادتها يمتصون دماء الشعوب وهم يلقون درس المساواة الانسانية والعدالة الاجتماعية، ان البطالة والعري وشرب الخمر والفقر هي فتوح المدنية الافرنجية ، ان الاُمة التي لا نصيب لها في التوجيه السماوي والتنزيل الالهي ، غاية نبوغها تسخير الكهرباء والبخار ، ان المدنية التي تتحكم فيها الالات ، وتسيطر فيها الصناعة تموت فيها القلوب ويقتل فيها الحنان والوفاء ، والمعاني الانسانية الكريمة» .
ويقول في كتاب «تجديد التفكير الديني في الاسلام» :
«أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث السرعة العظيمة التي يتحرك فيها العالم الاسلامي روحياً صوب الغرب»(10).
ويستدرك اقبال على عبارته السابقة موضحاً أن الحركة تجاه الجانب العلمي (العقلي) من الحضارة الغربية لا ضرر فيه :
«هذه الحركة ليست باطلة أو خاطئة ، لان الحضارة الاوربية ، في جانبها العقلي ، تعتبر مرحلة متطورة لاهمّ مراحل الثقافة الاسلامية»(11).
غير أن اقبال يعرب عن خشيته من الانبهار والانجرار الاعمى وراء المظاهر :
«خوفنا من أن الظاهر الباهر للحضارة الغربية يصدنا عن الحركة ، ويشلنا عن الوصول الى الماهية الواقعية لهذه الحضارة»(12).
ويسخر اقبال من مثالية أوربا مؤكداً أنّها لم تدخل واقع الحياة الاوربيـة ولم تتعد الخطابات والتصريحات والعناويـن . فليس في ضمير الانسان الاوربي حب للانسان ، وإن ابتدع المذهب الانساني humanisme، ولا احترام لحقوق الانسان على الصعيد العملي ، وإن تبجّح بلائحة حقوق الانسان على الصعيد النظري ، وليس في ضميره أيضاً ايمان بالحرية والعدالة والمساواة وإن رفع عقيرته منادياً بها :
«مثالية أوربا لم تدخل الحياة الاجتماعية بشكل عامل حيوي ، ونتج عن ذلك الانسان الحائر بين الديمقراطيات المتضاربة ، وهو يبحث عن ذاته ، حيث اتجهت تلك الديمقراطيات نحو استثمار الفقراء لصالح الاغنياء .
صدقوني أن أوربا تشكّل اليوم أكبر عقبة على طريق تقدم أخلاق البشرية»(13) .
ويعتقد اقبال أن المسلمين يمتلكون بين ظهرانيهم بلسم الشفاء لما تعانيه البشرية اليوم من قلق وحيرة وضياع فيقول :
«يمتلك المسلمون أفكاراً ومعتقدات متسامية متكاملة تقوم على أساس الوحي . هذه الافكار والمعتقدات تنطلق من أعماق الحياة لتضفي على ظواهر الحياة صفة باطنية .
الانسان المسلم يؤمن بالاساس الروحي للحياة كأمر اعتقادي، وهو على استعداد لان يبذل روحه رخيصة في سبيل هذا الاعتقاد»(14).
النقطة التي يركز عليها اقبال هي أن الاطروحة السماوية ـ الاسلام ـ لها ضمانات تنفيذية ولها القدرة على النفوذ الى أعماق البشر ، لانّها تستند الى ايمان ديني . فحين يرفع الاسلام شعار الحرية والعدالة والحب الانساني في المجتمع فانه يتجه الى النفس الانسانية لاتخاذها ضماناً لتحقيق أهدافه . أما الاطروحات الارضية فانّها تفتقر الى هذا الضمان التنفيذي وتبقى على مستوى الشعارات . من هنا يعتقد اقبال أن البشرية بحاجة الى ثلاثة اُمور :
أولاً : الى تفسير روحي للعالم ، فالعالم في ظل التصور المادي أعمى فارغ يتحرك حركة عابثة غير ذات هدف ، وكل الموجودات في الكون بما فيها الانسان ـ في اطار هذا التصور ـ مخلوقة عبثاً دونما غاية وهدف . بينما التصور القرآني يرفض هذه النظرة العبثية للعالم بصراحة : (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) ؟(15) . فالعالم في التصور الاسلامي يقوم على أساس موازين الحقّ والعدالة ولا يضيع فيه مثقال ذرة من العمل الصالح أو الطالح . ولا يبتعد لحظة عن مدبره الحكيم الذي(لا تأخذه سنة ولا نوم)(16) .
ثانياً : الى حرية روحية للفرد . وهذه الحرية قادرة على أن تطلق الطاقات الانسانية الكامنة من عقالها . وتخلق للكائن البشري شخصية متميزة وتنقذه من الاُطروحات التي تسحق شخصيته وتكبل طاقاته .
ثالثاً : الى مبادئ أساسية ذات مفعول عالمي ، تدفع المسيرة البشرية نحو التكامل على أساس روحي(17) ، ويقصد بذلك المبادئ الاسلامية .
لم يتوقف اقبال طبعاً عند حد الهجوم على الحضارة الغربية ، ولم يكتف أيضاً باقتراح البديل (الاسلام) في اطاره الكلي العام ، بل اتجه الى قضية أساسية للغاية حين طرح هذا السؤال : هل الاسلام الحقيقي موجود اليوم بين المسلمين ؟ يجيب هو على هذا السؤال بالقول : ان الاسلام موجود بين المسلمين وغير موجود . موجود في المظاهر التي تسود حياة المسلمين ، أو بعبارة اُخرى موجود على مستوى الشعائر الاسلامية . فالمسلمون يرفعون الاذان بينهم يومياً ، ويتجهون نحو الصلاة زرافات ووحداناً ، ويدفنون موتاهم حسب الاحكام الاسلامية، ويتسمّون غالباً بأسماء اسلامية لكنّ هؤلاء المسلمين يفتقدون ما يخلق فيهم روحاً اسلامية ، فالروح الاسلامية ميتة في المجتمع الاسلامي .
انطلاقاً من هذه المقدمة آمن اقبال بضرورة تجديد الحياة الاسلامية ، وسعى على طريق هذا الهدف .
الاسلام لم يمت في رأي اقبال بل المسلمون هم الذين ماتوا ، وهم بحاجة الى نفحة قدسية تحييهم وتعيد لهم دورهم الرسالي على الساحة التاريخية .
الاسلام لم يمت لان كتابه بين ظهراني المسلمين ، وسنّة نبيّه موجودة ، وكلاهما (الكتاب والسنة) يطفحان بالحيوية ويتحديان كل عوامل تقادم الزمن واختلاف البيئات . فهما لا ينطويان على شيء مثل الهيئة البطليموسية أو نظرية العناصر الاربعة أو سائر النظريات التي تنسخ وتتعرض للتغير والتبديل . الاسلام حي بل هو مبعث حياة . والعيب في فكر المسلمين وفي فهمهم الجامد الميت للاسلام .
مثل المسلمين في تعاملهم مع الاسلام كمثل مزارع وضع بذرة حية في تربة لا تصلح للانبات فبقيت البذرة الحية داخل التربة دون أن تنمو وتؤتي أكلها . أو كمثل بستاني وضع في الارض غرساً بشكل مقلوب بحيث ترتفع جذوره في الهواء وتغوص أغصانه في التربة . هذا الغرس موجود وغير موجود .
وهنا تجدر الاشارة الى تشبيه رائع استعمله الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يصور واقع المسلمين اليوم أحسن تصوير اذ قال : «ولُبس الاسلام لبس الفرو مقلوباً»(18)، هذا التشبيه يبرز الصورة المشوهة المضحكة للاسلام الممسوخ ، ويبين انقلاب الموازين والمظاهر والضمائر في المجتمع الذي يعيش هذا الاسلام الممسوخ . هذا الاسلام موجود في المجتمع لكنه يفتقد التأثير والعطاء ويفتقد قدرة الدفع والتحريك والتوعية .
تعامل المسلمين مع الاسلام عامل مهم في حيوية الاسلام ، فقد يكون هذا التعامل عميقاً شاملاً،وقد يكون سطحياً ناقصاً،وقد يكون تعاملاً قشرياً لا يتعدى المظاهر ولا ينفذ الى اللب.
السؤال الذي طرحه اقبال اذن أساسي للغاية ، لانّه يتجه بدقة الى موضع الداء ، ويبعد البحث عن الطريقة التي اعتادها كتّابنا في الاكتفاء بذم الحضارة الغربية والثناء على الحضارة الاسلامية ظناً منهم أنهم قادرون بذلك استمالة العالم نحو المسلمين . كيف يمكن أن نستميل العالم للاقتداء بجسم نصف مشلول ؟!

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com