اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
المفهوم القرآني للاحياء
القرآن يتحدث في كثير من آياته عن الحياة ومراتبها النباتية والحيوانية والانسانية ، وسنقتصر في حديثنا على وجهة النظر القرآنية حول الحياة الانسانية . القرآن في حديثه عن الحياة الانسانية يتجاوز المظاهر البيولوجية للحياة كحركة القلب ودوران الدم ونظائرها . فهذه الحياة حيوانية لا تستطيع وحدها أن توضّح الاطار الانساني للحياة ، وثمة نوع آخر من الحياة ينبغي أن يتزوّد به الانسان كي يتمتع بالحياة الانسانية ، وقد يفتقد شخص هذه الحياة وهو يتمتع بكامل مظاهر الحياة البيولوجية . من هنا قال القرآن (لينذر من كان حيّاً)(19) . وهذا التعبير القرآني يوحي بتقسيم الناس الى فئتين : حية وميتة . ويقول أن النداء الالهي يجد طريقه الى قلوب الذين لا زالت فيهم بقايا حياة . أما الذين افتقدوا الحياة فلا أثر للانذار الالهي عليهم . القرآن يمثّل للحركة على طريق الله وللحركة على غير طريق الله ، فيركز على خصائص الحياة والنماء في الحركة الاُولى ، والجدب والموات والضلال في الحركة الثانية فيقول : (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الاخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلداً لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين * ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أُكلها ضعفين ، فان لم يصبها وابل فطلّ والله بما تعملون بصير)(20). ويقول في موضع آخر : (أَوَمَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الارض كمن مثله في الظلمات)!(21) الحياة التي يتحدث عنها القرآن هنا ليست بالحياة البيولوجية،بل حياة انسانية،يخرج الانسان بها من الظلمات البهيمية الى نور الهداية الالهية،ومن ظاهرة الموت التي تجعل الانسان أرضاً صلدة غير قابلة لتقبل كلمة الحقّ،الى ظاهرة الحياة التي تحوّل الانسان الى تربة صالحة لحمل الرسالة الالهية(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم)(22). لكنّ هذه الاستجابة لا تحقق فيمن انعدمت فيهم كل مظاهر الحياة الانسانية : (انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء اذا ولوا مدبرين)(23).
|
|