فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


مظاهر المجتمع الحي

نحن لا نستطيع أن نفهم طبعاً كنه الحياة الانسانية كالحياة،لان الحياة الحيوانية لا زالت عصية الفهم فما بالك بهذة الحياة الاكثر تطوراً وتعقيداً.غير أننا نستطيع أن نفهمها من خلال تلمس آثارها.
من هذه الاثار : الوعي والتحرك .
كلما ازداد وعي المجتمع وروح الحركة والاندفاع فيه كان أقرب الى الحياة ، وكلما هبط عنده الوعي وخمدت فيه روح التحرك كان أقرب الى الموت(24).
والان لنلقِ نظرة على أوضاعنا الراهنة انطلاقاً من المفهوم السابق لنرى مقدار ما فينا من حياة . هل نحن ننظر بعين الاحترام الى السكون أم الى الحركة ؟ والجواب على هذا السؤال مهم للغاية لان المجتمع كلما مال الى السكون يزداد احترامه الى كل ماهو راكد وساكن.
لا شك أن المنطق السائد بيننا هو منطق احترام الساكن الجامد، وهو مظهر انحطاط المجتمع وموته . أحد الاخوة الظرفاء أطلق على هذا المنطق اسم «منطق الماكنة البخارية» .
سبب هذه التسمية يشرحها هو اذ يقول :
في أيام الصبا كنت أذهب الى محطة القطار ـ وكانت السكك الحديدية حديثة التأسيس في ايران آنذاك ـ فأرى القطار واقفاً هذا المفهوم نستطيع أن تتخذه معياراً لفهم ما هو من الاسلام وما هو دخيل عليه . كلّ ما من شأنه أن يقف بوجه تصاعد وعي المسلمين وقدرتهم وقوتهم فليس من الاسلام بشيء لان الاسلام دين الحياة ، ودين الحياة لا ينسجم مع الجهل والعجز والضعف .
والاطفال مجتمعون حوله ينظرون اليه باحترام واجلال.ويبقى المتفرجون الصغار على حالتهم هذه حتى يبدأ القطار بالحركة،وما أن يتحرك حتى يسارع الاطفال الى التقاط حــجر
ليرموا به القطار . وهكذا يزداد رشق القطار بالحجارة كلما ازدادت سرعته !!
لقد كنت أعجب من هذة الظاهرة واُسائل نفسي لماذا يميل هؤلاء الاطفال الى احترام القطار ما دام واقفاً ؟ ولماذا ينعدم هذا الاحترام عندما يشرع القطار بالتحرك ؟!
عندما كبرت ودخلت المجتمع اكتشفت اللغز ، ألفيت أن هذه الظاهرة قانون عام يسود كل المجتمعات التي افتقدت الحياة . كل شيء في منظر هذا المجتمع يحظى بالاحترام والتجليل ما دام ساكناً ، فاذا تحرك يتخلى عنه الناس ، بل أكثر من ذلك يلقمونه بحجر من كل حدب وصوب . أما المجتمع الحي فلا يحترم إلاّ الوثاب المتحرك والمتيقظ .
الاثر الاخر من آثار الحياة في المجتمع الترابط والتضامن بين أفراده . هذا الترابط يزداد كلما كانت روح الحياة نابضة أكثر في المجتمع . غير أن هذا الترابط يتجه نحو الوهن والضعف باتجاه المجتمع نحو الموت.
هذا المؤشر هو الاخر يعيننا على فهم مقدار ما في المجتمع من حياة ، ويمنحنا معياراً لفهم موضع عالمنا الاسلامي المعاصر المفعم بالنزاعات والحروب والاختلافات الداخلية ، والمنقسم على نفسه الى أجزاء يتجاذبها أعداء الاسلام ويساومون عليها . هذا المعيار يوضّح لنا بجلاء أن المجتمع الاسلامي بشكل عام مجتمع ميت .
دعوة الاسلام تتجه أول ما تتجه الى ايجاد المجتمع المترابط المتكافل المتضامن،ومن هنا فهي دعوة الى الحياة:(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول اذا دعاكم لما يحييكم)(25).
والمجتمع الاسلامي الواقعي مجتمع حي لان أفراده مرتبطون مع بعضهم ارتباطاً عضوياً وثيقاً :
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
هذه الحمى التي تظهر في البدن ليست عمليةمواساة فحسب بل هي عملية نفير سائر الاعضاء لمواجهة العدو الذي هاجم العضو المصاب ولترميم ما أصاب هذا العضو من أضرار.
أين المسلمون اليوم من هذا الترابط العضوي ؟! هل العالم الاسلامي ينهض اليوم بأجمعه اذا تعرض أحد أجزائه لعدوان ؟!
هذه الظاهرة السلبية ليست بجديدة على عالمنا الاسلامي ، لان الموت بدأ يدب في جسد هذه الاُمة منذ أن استشرى فيها الانحراف ، وبلغ الامر بها أن اقتطع أعداء الاسلام جزءاً عزيزاً من جسدها ومركزاً حضارياً عظيماً من مراكزها وهو ـ الاندلس ـ فلم يظهر على سائر الاجزاء رد فعل حياتي ، لان سائر الاجزاء كانت منغمسة في صراعات داخلية بما في ذلك الصراعات الطائفية بين السنة والشيعة .
حال المسلمين اليوم من مسألة فلسطين تأكيد آخر على هذه الظاهرة . هل المسلمون المعاصرون على مستوى المسؤولية من هذه القضية ؟ هل أن موقفهم من العدوان الاسرائيلي يجسد وصف رسول الله للجماعة المؤمنة ؟! الجواب واضح طبعاً .
الرسول القائد(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في موضع آخر :
«من سمع مسلماً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم»(26).
هذا الحديث الشريف يجري مجرى الحديث السابق في التأكيد على ظاهرة الترابط العضوي بين المجتمع المسلم الحي.انّه ينكأ جراح كل انسان مسلم واع يرى أجزاء العالم الاسلامي تتعرّض لابشع أنواع المجازر الوحشية ولافظع انتهاكات الحرمات الانسانية،دون أن تظهر على المسلمين آثار المواساة والتجاوب العاطفي والعملي،بل الذي يزداد ظهوراً فيهم اتجاههم نحو المزيد من الشقاق والنفاق والعداء!!.
من المظاهر الاُخرى للمجتمع الحي تكريم شخصياته الفكرية،وأقصد الشخصيات الحية التي تعيش في المجتمع بالدرجة الاُولى،لان تكريم الاموات قد لا ينمّ عن ظاهرة حياة.أحد الاصدقاء طرح علي سؤالاً طريفاً قال فيه:أليس تكريم اقبال من مظاهر التقرّب من الاموات؟ هذا الصديق لا يعترض طبعاً على هذا التكريم ، بل يقصد أن التكريم ينبغي أن يتجه أولاً الى الشخصيات الفكرية الحية وكم بين ظهرانينا اليوم من هذه الشخصيات التي تستحقّ كل تكريم ، وخير مثال على ذلك العلامة الكبير السيد محمد حسين الطباطبائي(27).هذا الرجل يستحقّ كل تكريم لجمعه كل الخصال التي ينبغي أن يتصف بها انسان مسلم مفكر ملتزم.
فهو أولاً مثال الورع والتقوى ، وقضى عمره وهو يطوي مراحل تهذيب النفس والارتقاء على سلم الكمال الانساني . لقد انتهلت سنوات طوال من فيض علمه وتربيته ولا زلت دؤوباً على التزود منه.
وهو أيضاً عالم مفكر سبر العلوم الاسلامية وقدم للمسلمين عطاءً فكرياً ثراً على رأسه مجلدات الميزان في تفسير القرآن وهو أفضل تفسير معاصر للقرآن ، وأستطيع أن أدعي أنّه أفضل تفسير كتب حتى الان للقرآن منذ عصر صدر الاسلام حتى يومنا هذا ، مع الاعتراف بأهمية التفاسير الاُخرى ومع التأكيد على أن كلام الله لا يحيطه تفسير مهما شمل واتسع .
كما أنّه الرجل الذي يعيش آلام الاُمة وهمومها وقضاياها ولا أدل على ذلك من موقفه من القضية الفلسطينية وتصديه لجمع تبرعات مالية للاخوة الفلسطينيين .
هذا الرجل تجاوزت شهرته ايران بل تجاوزت العالم الاسلامي، والعلماء المسلمون يتوافدون عليه من كل حدب وصوب ، وأخيراً زاره الاستاذ علاّل الفاسي من المغرب وأعرب الاستاذ الفاسي عقب اللقاء عن اعجابه الكبير بهذه الشخصية الفذة . المستشرقون الاوربيون هم أيضاً على علم بمكانة هذا المفكر الاسلامي الكبير .
انّها لفريضة علينا أن نكرم السيد الطباطبائي ونشيد بمكانته ونعطيه ما يستحقه من الاهتمام والتقدير.
الصفة الاُخرى للمجتمع الحي ارتباطه بتاريخه الثوري،فالارتباط بهذا التاريخ وبالافراد الذين صنعوه بدمهم يؤكد أن المجتمع حي أبيّ الضيم لا ينثني أمام ما يواجهه من تحديات وصعاب.
ولهذا علّمنا أئمة آل البيت أن نخاطب الشهداء بقولنا:(يا ليتنا كنّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً)(28)علمونا أن نحيي ذكرى الشهيد،ونبكي عليه،ونعيش أهدافه وحركته واندفاعه . علمنا سيد الشهداء الحسين ابن علي أنه : «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء» .
ان مفاهيم احياء ذكرى شهداء التاريخ الاسلامي ، وسيد الشهداء على الخصوص قد شوهت الى حد كبير مع الاسف ، ولذلك فقدت عطاءها المطلوب . ولابدّ من اعادة نظر في تاريخ شهداء الاسلام بمن فيهم تاريخ سيد الشهداء ، لنستلهم منه ما يعيننا على مواصلة طريقهم السامي العظيم .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com