قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
امتياز الشيعة على المرجئة
ظهرت طائفة بين المتكلمين يُدعون «المُرجِئَة» وهم قد بادوا والحمد لله . كانوا يقولون اذا صح الايمان فليس للعمل أي أثر . وكان لهذا القول دافع سياسي ، فقد ظهروا في عهد بني اُمية ، الذين أيدوهم . كان هؤلاء يريدون اظهار أعمال ساسة بني اُمية وسلاطينهم بمظهر الاعمال الصحيحة . لست أنا الذي أقول هذا ، أنّه التاريخ . كانوا يقولون: اذا كان ايمانك سليماً صحيحاً فلا أهمية لعملك ، سواء أعملت أم لم تعمل ، فالعمل لا شيء . وبعد ذهاب بني اُمية ، جاء بنو العباس واستأصلوا شأفتهم بسبب عدائهم لبني اُمية . لكنّ الذي يؤسف له هو أن نرى هذا الفكر المرجئي يظهر في أدمغة الشيعة اليوم ، بحيث أن القصة التي اُريد أن أرويها لكم تثبت أن عقيدة الشيعة على النقيض تماماً من هذه الفكرة واليكم القصة : ينقل أحمد امين في «ضحى الاسلام» عن «الاغاني» لابي فرج الاصفهاني . وعلى الرغم من أن أحمد أمين يحمل نزعة مناوأة الشيعة ، ولكنه ينقل هذه الحكاية ويذكر الاسم أيضاً . يقول أن شيعياً ومرجئياً كانا يتباحثان حول التشيع والمرجئية ، وكان هذا يقول أن اصول المرجئة أصح ، وذاك يقول اصول الشيعة أصح . كان المرجئي يقول العمل لا شيء ، والاساس هو الايمان ، والشيعي يقول بلزوم العمل . وفي غضون ذلك ظهر أحد المغنين (بما أن أصل الرواية من «الاغاني» فاننا نستنتج أنّه كان مغنياً) ، فقالا نحتكم اليه ، وكان هذا رجلاً فهيماً له دراية بالاُمور ، فقالا نحتكم اليه في الحقّ أمع الشيعي أم مع المرجئي ؟ وسألاه ما رأيك انت ؟ هل الحقّ مع الشيعي أم مع المرجئي؟ فرد عليهما قائلاً : «أعلاي شيعي وأسفلي مرجئي» أي أنّه في الفكر شيعي وفي العمل مرجئي . كان يريد أن يقول: انني أقبل بالعقيدة الشيعية ، فعقيدتهم هي الصحيحة ، ولكني من حيث العمل مرجئي . وعلى ذلك أفلسنا نحن اليوم ، كأن يكون «أعلانا مرجئي وأسفلنا مرجئي» مرجئيين فكراً وعملاً ؟ أن فكرنا الديني يظهر بصورة نصف ميت . فاذا كان هذا هو فكرنا المرجئي فماذا تكون النتيجة؟ ان الفكر الذي يلغي العمل ، فما الذي يبقى ؟ الدنيا ؟ الاخرة ؟ العزة ؟ السعادة ؟ وهل يبقى (انتم الاعلون)(29) ؟ ابداً . ينبغي اصلاح فكرنا الديني . ان طريقة تفكيرنا في الدين خطأ خطأ.وبكل جرأة أقول انّه اذا تجاوزنا أربع مسائل في الفروع في العبادات ، وبضعة اُمور في المعاملات ، لا تبقى لدينا اية فكرة صحيحة عن الدين . فلا نحن نشير الى ذلك في خطبنا من على المنابر ، ولا في كتبنا وصحفنا ومقالاتنا ، ولا نحن نفكر فيه . انّنا قبل أن نفكر كيف نحمل الاخرين على اعتناق الاسلام علينا أن نفكر في انفسنا . السراج المطلوب في البيت حرام على المسجد . لا اُريد تخطئة ارسال المبلغين الى الخارج فهو أمر صحيح وعمل سليم ، فقد يستطيعون صنع مسلم حقيقي ليكون نموذجاً لنا . ولكنّ الاكثر وجوباً من ذاك هو التنبه الى أننا مسلمون . أفكارنا عن الاسلام غلط ، وان السياسة الحاكمة على العالم ، أو على نصف العالم ، تريد الاسلام أن يبقى بين الحي والميت . ان العالم قد قسم الى كتلتين : الشرق والغرب . وهاتان الكتلتان متفقتان على أمرين اثنين : الاول هو مسألة الايمان ، والثاني مسألة الاسلام . فبشأن الايمان هما في بحث دائم ظاهرياً حول هذه الاُمة ، ولكنهما متفقان في الباطن على أن يبقى هذا الشعب ميتاً ، وعلى ألاّ تعطى له الحرية كاملة . كذلك الامر فيما يتعلق بالاسلام ، ولكن مع فرق واحد هو أن الكتلة الشرقية ترى وجوب اجتثاث الاسلام من أصله ، بينما يرى الغرب ابقاءه في حالة اللاحياة واللاموت ، أي في الحالة التي هو عليها . أي أن يحافظ على هذه الحالة هكذا ، دون أن يتركه يموت ، ولا أن يسمح له بحياة سليمة . وهذا اشبه بما نقرأه في الكتب عن الحشرات ، وعن علم النفس، حيث يجري البحث حول الغرائز ، فيتحدثون عن حشرة أصغر من الزنبور وأكبر من الذبابة ، تتميز بغريزة عجيبة ، بحيث أن الماديين احتاروا في تفسيرها . يقال أن هذا الحيوان عندما يحين موعد وضع بيضه يبحث عن دودة معينة فيلسعها في ظهرها في مكان معين حيث يوجد عصب دقيق جداً . انّه لا يلسعها بقوة بحيث تموت ، بل يلسعها لسعات خفيفة حتى تتخدر ، ولكنّها لا تموت ، وعندئذ يضع بيضه على ظهر هذه الدودة . والعجيب هو أن هذا الحيوان يموت قبل أن تفقس البيوض . لذلك يستحيل أن يرى الجيل الجديد جيله السابق . وعندما تخرج الصغار من البيوض تتغذى على لحم تلك الدودة حتى تكبر وتعيد دورتها . المهم أن الحشرة الاُم تعرف كيف تلسع الدودة بحيث تبقيها بين الحياة والموت ، لانّها اذا ماتت تعفنت وتفسخت ، ولكنّها تلسعها بحيث تخدرها فقط حتى لا تتحرك ، لان حركتها لا تتيح لها أن تضع البيض على ظهرها ، ولا أن يتغذى الصغار على لحمها ، وعلى ذلك فانّ اللسع يكون بالمقدار الدقيق الذي لا يميت الدودة كلياً ولا يبقى فيها من الحياة ما تستطيع معه التحرك وافساد البيض . ان العجيب في غريزة هذا الحيوان هو أنّه يموت دون أن يرى نسله ، والنسل المولود يكبر دون أن يكون قد رأى جيله السابق أو تعلم منه ما ينبغى عليه . ولكنه مع ذلك عندما يريد وضع البيض يقوم بكل ما قام به سلفه، وبالمهارة نفسها وبالدقة ذاتها في اللسع ومقداره . انني لا اُريد أن اضلكم بالقول بأن المستعمرين والمستغلين هم الذين أوقعونا في هذه الحالة ، كلا ، إنّها حالة انحدرنا اليها من قبل ، وهم وجدونا هكذا ، فأبقونا هكذا ، وعليه فانهم هم السبب في بقائنا هكذا . إلاّ أننا في الواقع كنّا ، قبل أن يصل الاستعمار ، قد ركبتنا افكار أحدثت فينا هذه الحالة التي نحن عليها . يقول لينين أن الدين أفيون الشعوب.ويقول كاتب عربي نقلاً عن فيلسوف مادي أن الدين ثورة الضعفاء على الاقوياء.ثم يتساءل هذا الكاتب العربي:ترى أيهما الصحيح؟هل صحيح أن الدين ترياق وسبب للخدر وفقدان الاحساس؟أم أنّه ثورة وحركة؟يقول ان كليهما صحيح.ان الدين حياة ، وحركة ، وثورة . ولكن أي دين ؟ ذلك الدين الذي جاء به الانبياء . والدين في الوقت نفسه أفيون الشعوب . ولكن أي دين ؟ ذلك المعجون الذي صنعناه اليوم بايدينا . سأذكر حديثاً اختتم به قولي ، وهو حديث مشهور : «اذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وألاّ فعليه لعنة الله» أي اذا ظهر ما ليس من الدين ويرتدي لبوس الدين بحيث يحسبه الناس من صلب الدين ، فعلى الذين يعلمون أن يكشفوا ذلك . هذا الحديث الشريف يبين وظيفة احياء الدين التي هي من واجبات طبقة العلماء ، يحقّقونها عن طريق مكافحة البدعة والتحريف . أرجو أن نصل الى نتيجة ممّا قيل ، فما أحوجنا اليوم الى نهضة دينية اسلامية ، الى تجديد التفكير الديني ، الى انتفاضة اسلامية نيّرة . وأرجو أن تتاح لي الفرصة فاوفق لبيان مميزات الفكر الاسلامي ، وطرق احيائه ضمن برنامج مدروس على قدر الامكان .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|