اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
نماذج من انحراف مفهوم العمل
من هذه الافكار الوهمية فكرة «الحظ» التي ظهرت لتعبّر عن غياب جميع قوانين الكون وسننه في الذهنية السائدة . وهذه الفكرة انعكست على الادب قديمه وحديثه(32). واضح أن الحظ فكرة لا تقوم على أساس أي منطق علمي أو فلسفي أو قرآني . لكنّها سرت في مجتمعاتنا الى كل مواقف حياتنا الصغيرة والكبيرة . نموذج آخر من الانحرافات الفكرية في هذا المجال النظرة الممسوخة الى نتيجة صراع الحقّ مع الباطل(33).الحديث يدور في مجتمعاتنا حول عدم امكان انتصار الحقّ ، وعدم امكان انتصار الدعوة الملتزمة بقيم الصدق والعدل ، وعدم امكان الانسان الحصول على مكاسب مادية إن كان مقيداً بموازين الصدق والانصاف . وهذا اللون من التفكير يتناقض تماماً مع المدرسة الاسلامية التي ركزت على النظرة التفاؤلية لمسيرة العالم . القرآن يشير في مواضع عديدة الى أن نظام الكون هو النظام الاحسن ، ولا يمكن تصور نظام أحسن منه.يقول في آية:(الذي أحسَن كلَّ شيء خَلَقَهُ)(34) وفي آية اُخرى يقول على لسان موسى بن عمران:(ربُّنا الذي أعطى كلَّ شيء خَلْقَهُ ثمّ هدى)(35). والانسان في نطاق هذا النظام موجود مختار ، بمقدوره أن يسير وفق نظام الخليقة الفطري ، وبامكانه أيضاً أن ينحرف يمنة ويسرة . وهذا الاختيار واحد من مظاهر هذا النظام الاحسن ، حيث الانسان فيه كائن مسؤول وحامل للامانة وخلاّق. هذا الاختيار يستتبعه انحراف مجموعة من الناس عن الصراط المستقيم،لكنّ نظام الخليقة بمجموعه يسير وفق معايير الحقّ والعدل.وأمام هذا الانحراف تتحمل المجموعة الصالحة مسؤولية مقارعة المنحرفين.هذه المجموعة الصالحة السائرة على طريق النظام الكوني والمكافحة من أجل الحقّ،أما الباطل فليس له سوى جولة سرعان ما يتراجع بعدها أمام الحقّ. القرآن الكريم يمثل لصراع الحقّ والباطل أجمل تمثيل فيقول : (أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتملَ السيل زبداً رابياً وممّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ، كذلك يضرب الله الحقّ والباطل ، فأمّا الزبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال )(36). فالزبد الذي يمثل الباطل يذهب جفاء أمام الحقّ . وهذا هو قانون الخليقة الذي لا يتخلف بينما تسري بيننا أحاديث واهية مشككة في جدوى الكفاح من أجل الحقّ والعدل وعلى طريق الحقيقة والاستقامة . نحن لم نقدم مرة واحدة على الدخول في تجربة عملية كفاحية ، ومع ذلك نقذف الخليقة بالعبثية والبطلان . انتشار فكرة المجددين مظهر آخر من انحراف افكار المسلمين بشأن مفهوم العلم . هذه الفكرة تستمد جذورها من حديث ذي سند واه يقول : «أن الله يبعث لهذه الاُمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» . هذه الفكرة راجت في الفكرين السني والشيعي غير أنّها لم تدخل الوسط الشيعي قبل القرن الحادي عشر ، ففي هذا القرن كتب الشيخ البهائي رضوان الله عليه عن الكليني ، ووصفه بأنه مجدد المذهب في رأس القرن الثالث ، مستعيراً هذا الوصف ممّا اُشيع في الفكر السني . بعد ذلك أطلق على المجلسي أنّه مجدد المذهب في رأس القرن الثالث عشر ، والميرزا الشيرازي مجدد المذهب على رأس القرن الرابع عشر الهجري . الغريب في هذه الفكرة أن النوابغ الذين ظهروا في أواسط القرون الهجرية لم يُعتبروا مجددين،كل ذنبهم أنهم لم يظهروا على رأس القرن كالشيخ الطوسي مثلاً.والاغرب من ذلك أن الباحثين عن المجددين لم يستثنوا عتاة الملوك من حساباتهم فاعتبروا نادرشاه مثلاً من المجددين!! هذه الفكرة تتعارض تعارضاً تاماً مع مبدأ التغيير الذي تقره الاية الكريمة :(إن اللهَ لا يُغيّر ما بقوم حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم)(37). هذا المبدأ يربط كل تغيير في المجتمع الانساني بتغيير المحتوى الداخلي لافراد ذلك المجتمع.تجديد الحياة الاجتماعية ـ انطلاقاً من مفهوم هذه الاية ـ لا يتم إلاّ حينما يكون أفراد الاُمة مستعدين لمثل هذا التغيير . بينما فكرة المجددين تعفي الاُمة من هذه المسؤولية ، وتلقيها على عاتق فرد أو أفراد معينين،وبهذا الترتيب تمسخ أعظم فكرة قرآنية حركية عملية . فكرة المجددين استغلها المستثمرون المستغلون ليثيروا الفتن والمجازر ، وليصرفوا الاُمة عن التفكير بنواقصها ومشاكلها وتخلفها وانحرافها .
|
|