فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


الزهد

الزهد في اللغة ترك الشيء والرغبة عنه . وفي الاصطلاح يطلق على ترك الانسان لشيء يرغب فيه رغبة طبيعية . أي أن صفة الزاهد لا تطلق على المريض الراغب عن تناول الطعام ولا على العنّين الراغب عن اللذة الجنسية .
الزهد من المفاهيم الاسلامية السامية البنّاءة التي انحرفت في أذهان المسلمين ، ولعل الانحراف في مفهوم الزهد سرى الى المسلمين من المسيحية . فالمسيحية فرّقت بين العمل الدنيوي والعمل الاُخروي ، واعتبرت كل ممارسة عملية للانسان مع الطبيعة والحياة عملاً دنيوياً ، بينما أطلقت على الطقوس المعزولة عن كل ممارسة حياتية اسم العمل الاُخروي أو العبادة . وها هو «المنجد» بين أيدينا يعبّر عن هذه النظرة المسيحية اذ يقول : زَهَدَ في الدنيا ، أي تخلى عنها للعبادة . وتزهّدَ : ترك الدنيا للعبادة .
هذا المفهوم المنحرف عن الزهد ليس بجديد على المدرسة المسيحية ، فقد ظهر فيها يوم ظهرت فيها الرهبانية التي قال عنها القرآن الكريم:(ورهبانية ابتدعوها)(67) . والاسلام رفض هذه الرهبانية حين وصفها القرآن الكريم بأنّها بدعة ، وقال عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا رهبانية في الاسلام .
الاسلام يرفض أي انفصال بين العمل الدنيوي والاُخروي ، ويؤطّر كل نشاطات الانسان الحياتية باطار ديني ، ويعتبرها عبادة وعملاً اُخروياً ، إن كان فاعلها يبتغي منها رضا الله .
القدرة الاجتماعية والاقتصادية في يد الانسان المسلم وسيلة لتحقيق مهمة خلافة الله على وجه الارض . لا وسيلة لاستثمار الاخرين واستضعافهم :
(اجعلني على خزائن الارض اني حفيظ عليم )(68).
ويوسف يستهدف من هذه المسؤولية على خزائن مصر أن يؤدّي مسؤوليته الاقتصادية في الحياة ، ولا يريد أن يستغل هذه القدرة لمطامعه وأهوائه . وهكذا الانسان الالهي يسخّر طاقاته في سبيل الصالح العام ، ويستثمر كل قدراته على طريق أداء مسؤوليته الالهية . بل عليه أن يحصل على القدرة اللازمة لاداء هذه المسؤولية .
علماء الاسلام أفتوا بحرمة الخدمة في جهاز الحاكم الجائر ، لكنهم أفتوا أيضاً بجواز تولي منصب في هذا الجهاز إن كان الهدف انقاذ المظلومين وخدمة الناس ، بل أفتى بعضهم باستحباب ذلك وبوجوبه .
وعلى المستوى الاجتماعي ، أوجب الاسلام ارتفاع المجتمع المسلم في قوته الى مستوى يبعث الرهبة في قلوب أعداء الكيان الاسلامي : (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم )(69).
الزهد في الاسلام لايعني على الاطلاق الانفصال عن الحياة ، والابتعاد عن كسب القدرة اللازمة لاداء المسؤوليات الالهية على ظهر الارض ، بل يعني الارتفاع عن الانشداد البهيمي بالارض ، والترفع عن ممارسة القدرة في سبيل الاستثمار والاستضعاف ، يعني بعبارة اُخرى تحوّل الممارسات الحياتية الى وسيلة للارتقاء على طريق المثل الاعلى الحقّ . ومن هنا تصبح الدنيا عند الانسان الزاهد وسيلة لا غاية. لا يحس بالفشل والانكسار إن فقد متاعها ، ولا ينبهر بها ولا يقع في أسرها إن انفتحت أمامه كنوزها .
وهذا ما أراده أمير المؤمنين علي (عليه السلام)اذ قال : الزاهد بين حكمتين في القرآن : (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)(70).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com