فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


قاعدة الملازمة

قال تعالى : (فلولا نَفَرَ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم..)(94).
ذكرنا سابقاً أن أحد المفاهيم الموجودة في الدين الاسلامي هو التفقّه . والتفقّه يعني معرفة الاحكام الاسلامية معرفة عميقة ، ويعني كذلك أن في الاسلام خصوصيات لاتنكشف ألاّ بالتفقه ، وبعبارة اُخرى : أن في الدين ظاهراً وباطناً ، ولكي لا يكون هناك لبس ، فانّ المقصود بالظاهر والباطن في حدود المسائل التي ذكرناها ، وسأذكر منها نماذج أخرى . المهم أن ديننا يتميز بوجود عنصر الاجتهاد فيه ، وبفضله يمكن اكتشاف الجذور العميقة للاحكام الشرعية، والاسرار الخفيّة الموجودة في الشريعة .
ان من القضايا المطروحة بين المسلمين منذ الصدر الاول هي أنّه لا يوجد تكليف تعبدي محض ، أي : خال من حكمة أو مصلحة . وعليّ أن اُوضح معنى التعبّد .
ان التعبّد لا يعني أنّنا لا نعمل بالتكاليف الموجودة ما لم نعرف حكمتها بل علينا العمل بكل ما جاء في الدين وصحّ دليله تعبّداً سواءً عرفنا حكمته أم لم نعرفها. ولا وجود لتعبّد محض في الدين أي : بدون حكمة أو مصلحة ، اذ كل ما جاء في الدين فيه حكمة خفيّة قد لانعرفها . وفي ضوء هذا الامر وضع العلماء قاعدتين متعاكستين أطلقوا عليهما «قاعدة الملازمة» .
يقول العلماء : أن هناك تلازماً بين ما يحكم به العقل وما يحكم به الشرع ، فكل ما حكم العقل بضرورته حكم الدين بضرورته أيضاً والعكس هو الصحيح . ولو كشف العقل مصلحة معينة (الكشف اليقيني والقطعي لا الكشف الاحتمالي والظني طبعاً) في عمل من الاعمال فاننا نحكم بشرعية هذا العمل من الناحية الدينية ، أي : نحكم بان الاسلام أمر بنفس ذلك العمل ، حتى لو لم يصلنا منه شيء . وقد افتى الفقهاء في مواطن كثيرة دون حصول الدليل النقلي .. وكان افتاؤهم بما حكم به العقل . وفي الفقه مسألة تسمّى «ولاية الحاكم» أي : أن الحاكم الشرعي له حقّ الولاية في كثير من الاُمور . فلو مات شخص مثلاً ، ولم يعيّن وصيّاً له ، وليس لاولاده قيّم شرعي ، فما هو تكليفهم ؟
هنا يأتي دور الحاكم الشرعي لتعيين ذلك التكليف في حين لا وجود لاية تصرح بهذا المعنى،ولا خبر موثوق مئة بالمئة يتطرق الى هذا الموضوع.والذي نقوله هنا:أن الاسلام دين عظيم حكيم لم يترك مصالح الناس دون تكليف،واينما حكم الشارع حكم العقل.ولا يعني هذا أن الشارع عندما يعطي حكماً في قضية معيّنة فانّ العقل يبادر الى اعطاء نفس الحكم،فلو قال الشارع أن لحم الخنزير حرام،فانّ العقل يفهم أيضاً أنّه حرام،لكنّ المقصود غير هذا،بل المقصود أن في كل حكم من احكام الشارع رمزاً لو أدركه العقل فانّه يصدقه..فهذه هي قاعدة الملازمة،وفي ضوء هذه القاعدة يقول علماء الاسلام:ان كل حكم من احكام الاسلام الواجبة أو المستحبة أو المحرمة أو المكروهة فيها حكمة ومصلحة،أو فيها دفع مفسدة،لهذا تتميز هذه الاحكام بخصوصيتها الحكيمة..ولا يشرّع الاسلام شيئاً اعتباطياً،ولا يأمر بشيء جزافاً،وهذه
الاصرة الصميمية بين العقل والاسلام،لا وجود لمثلها في الاديان الاُخرى،ولو سئل علماء الاديان الاُخرى عن العلاقة بين الدين والعقل فانّهم يجيبون بالنفي،وينكرون أية علاقة بينهما. فالمسيحية مثلاً تبدأ بالتثليث ولها اعتقاداتها الخاصّة بها،ولو قيل لاتباعها:لا تتفق أقوالكم ومدّعياتكم مع العقل،لقالوا:وإن كانت لا تتفق،ثمّ ماذا؟
فهؤلاء عندما يردّدون كلمة التعبد فانهم يقصدون ترك العقل جانباً ، والتسليم الاعمى أمام الدين .. في حين لا يوجد في الاسلام تسليم أعمى ، أو تسليم يقف ضد العقل ، ولكن هناك تسليم لما فوق العقل وفق المعنى الذي ذكرته سلفاً وهو نفسه التسليم المطابق لحكم العقل .. والعقل يقول أيضاً اذا لم يكن عندك علم بشيء فاسمع كلام من هو أعلم منك . وهذا هو الذي أضفى على الاسلام خصوصية الخلود . أي أن في الاسلام مرونةً لا نظير لها ولا مثيل ، وهي ما يصطلح عليه الفقهاء بالمهم والاهمّ . فلو وقف الانسان بين حكمين من الاحكام ولم يستطع القيام بهما كليهما ، فعليه هنا أن يقدم الاهمّ على المهم .. وهناك مثال يذكر دائماً لطلبة العلوم الدينية في صدد الاهمّ والمهم .. يقولون : لو كان هناك مكان لا يرضى صاحبه الدخول فيه ، وانت ترى فيه حوضاً قد سقط فيه طفل ولا أحد غيرك ينقذه ، فهنا أنت بين أمرين : أمّا أن تدخل المكان رغم عدم رضا صاحبه لتنقذ الطفل من الغرق ، وأمّا أن تقف لتتفرج ويموت الطفل .. فالعلماء يقولون : عليك أن ترى لمن تكون الحرمة أكثر للروح أم للمال .. ولابدّ انّها للروح .. إذن عليك دخول المكان وانقاذ الطفل حيث تضحي بعمل صغير من أجل عمل كبير ، وتقدم بذلك الاهمّ على المهم .
وهناك مثال آخر : لو دُهست امرأة واُريد نقلها الى المستشفى ، فهل ينتظر حتى يصل أحد محارمها وينقلها ؟ فربّما تموت ، أو لا ، تنقل الى المستشفى من قبل غير محارمها ؟ وهنا تظهر مسألة ، وهي أنه لا يجوز مس جسد غير المحارم لاسيما وانّها اذا نقلت الى المستشفى فستكون تحت مبضع الجرّاح ، وهو أجنبي أي : من غير محارمها ، واذا كانت تحت مبضعه فيستدعي هذا تعريتها ، فما هو الموقف الصحيح تجاه هذه الحادثة ؟ واذا اقترب مخاض امرأة حامل ولم تنفعها القوابل حتى وصلت بها الحاجة الى أن يجري لها طبيب جرّاح عملية قيصرية ، فماذا نفعل ؟
ففي مثل هذه الحالات لابدّ من اظهار المرونة وعدم التزمت والاصرار الى الحد الذي يفضل الانسان موت مريضته على انقاذها باجراء عملية لها.وربما لا تقبل المرأة نفسها أيضا.
وهذا كله تزمت وتحجر،فلا بد من الاذعان للواقع وتسليم الامر بيد الطبيب علماً أن الاسلام يفضل انقاذ روح الانسان على مسألة لمس الجسد من قبل غير المحارم،ويرى أن الاُولى هي الاهمّ..وهذه اُمور يحكم بهاالعقل أيضاً لكن لابدّ من التذكير أنّه قد يكون هناك خروج عن الحد الشرعي أو يكون هناك تجاوز متعمد على الاحكام الشرعية،كأن تطلب المرأة الماخض رجلاً يولدها،لا امرأة،مع وجود المرأة.فهذا التوجه يرفضه الاسلام ولا يقر به.
وقد ذكرت مرّةً أن النساء اللواتي يدّعين المساواة مع الرجال،لماذا لا يسلّمن بهذه القضية، أي:قضية القبالة؟ولماذا لا يردن إلاّ الرجال لقبالتهن؟فأين المساواة التي يتشدّقن بها؟واذا لم يكن فرق بين المرأة والرجل ، فليقبلن بالمرأة قابلةً ، وما القبالة إلاّ مهنتها لا مهنة الرجل ! ولعل هناك من يقول أن سبب تخلف المرأة هو لانّ الاعمال لم تفوّض اليها على مرّ التأريخ بل فُوّضت الى الرجل ، ولو كانت قد فُوّضت اليها لتفوّقت ولمع نجمها .. ولو قال أحد : أن المعمل لا يصلح لادارته إلاّ المرأة ، أو التمريض لا تصلح له إلاّ المرأة ، لقالوا : لا ، لا فرق في ذلك بين المرأة والرجل ، ونقول : أن من الاعمال المعروفة التي تختص بها المرأة هي القبالة ، فلقد كانت مهنة المرأة منذ فجر التأريخ ، وذلك لان العمل يخصها وحدها باعتبار أن الرجل لاينجب اوّلاً ، ولان المرأة نفسها مارست هذا العمل منذ البداية ثانياً .. فلماذا إذن تذهب النساء عند اقتراب مخاضهن الى الاطباء ؟
ألا يدل هذا على تفوق الرجل على المرأة؟علماً أني لا اُؤيد كلام من يقول بافضلية الرجل على المرأة في القبالة ، بيد أني توخيت أن اثبت بطلان أمثال هذه التخرصات الجوفاء ، وانّها تنطلق من الهوى والهوس . وليس هدفي من المثال الذي ذكرته القول بعدم فرق بين الرجل والمرأة ، أو تشجيع المرأة على الذهاب الى الطبيب عند ولادتها.. كلا ! بل يجب أن تكون المرأة هي القابلة ، ولكن لو فرضنا أن السكين قد بلغت العظم ، وضاقت كل السبل ، حتى تصل الحالة الى خطر الموت، فلتذهب تلك المرأة الى الطبيب ولا مانع في ذلك.
ان من القضايا التي يطرحها الطلبة الجامعيون،والتي أصبحت ذريعة بيد البعض للتهجم على الدين الاسلامي الحنيف هي أن الاسلام لا يساير التطور،ولا ينسجم مع الواقع المعاصر،ولو أراد المسلم أن يتمسك بدينه ويتقيد به،فانه يتأخر عن ركب الحضارة.. ويضربون مثالاً على ذلك بعلم التشريح وهو أحد فروع علم الطب،ومن أركانه الاساسية منذ القدم..وتدريسه مقرر في كلية الطب،كما أنّه موجود في كافة أرجاء العالم،وضرورة العلم وحدها تقتضي وجوده..وكان يطبق تارة على جسم الانسان،واُخرى على جسم الحيوان،علماً أن تشريح جسم الحيوان مفيد،لكنّ عطاءه العلمي قليل اذا ما قورن بتشريح جسم الانسان،كما أنّه لا يفي بالغرض المطلوب،ولا يتمخض عن نتائج جيدة كالنتائج التي يتمخض عنها تشريح الانسان،فإذن يفضل تشريح الانسان لفائدته العظيمة ونتائجه العلمية الدقيقة النافعة..فكيف يتلاءم هذا مع موقف الاسلام الداعي الى احترام الميت وعدم اهانته،وله آداب خاصة به تعتبر من ضمن الواجبات الكفائية،مثل التعجيل بتجهيزه،وعدم تأخير جنازته،والمبادرة الى غسله، وتكفينه،ودفنه؟وهذا ما يتنافى مع الاهداف المتوخاة من علم التشريح.
هذه ليست قضية مهمة ذات بال ، وهي من القضايا التي تطرقت اليها سلفاً . ان الاسلام يؤكد على احترام جسم المؤمن بعد وفاته (من الطبيعي أنّه ينبغي دفن كل ميت حتى لو كان كافراً رغم عدم جواز غسله وتجهيزه ، ولكن يجب دفنه وعدم ترك جثته دون مواراتها الثرى) وأنتم تقولون أن علم الطب يتوقف على التشريح ، حيث لا يتسنى معرفة كثير من الامراض وطرق معالجتها إلاّ به ، ونحن نقول أن الطب ـ من المنظور الاسلامي ـ واجب كفائي كما أن دفن الميت واجب كفائي . ولابدّ أن يكون بين الناس من يتخصص بعلم الطب ، وكل عمل يتوقف عليه تشخيص المرض ، أو وصف الدواء فهو بمثابة مقدمة الواجب ، أي :
أنه واجب أيضاً ، لان مقدمة الواجب واجبة .. فنحن إذن الان بين واجبين في الاسلام ، فما هو موقفنا حيال هذين الواجبين ؟ان على طالب الطب ـ اذا كان مسلماً ـ أن يعلم بأنه يؤدي واجباً كفائياً من خلال دراسته . وأنّه يمكن أن يحقّق هدف الطب في التشريح من خلال تشريح جثة انسان غير مسلم ، وما أكثر الاجانب المستعدين لان تكون جثثهم بعد موتهم تحت تصرف علم الطب ! لذلك يتحقّق هدف علم الطب من خلال تشريح جثث هؤلاء .. ولعل هناك من يقول : أن هذا غير ممكن ، أي : أن هؤلاء الاجانب غير مستعدين ، أو لا يمكن أن تكون جثثهم في متناول أيدينا ، فهل أن تقدم علم الطب أهم ، أو احترام جثة المسلم ؟ والجواب هو : أن تقدم علم الطب أهم ، ولابدّ منه كعمل جبار مفيد على حساب حرمة جثة المسلم ، بيد أنّه ينبغي التذكير أن جزئيات وتفاصيل كثيرة تتعلق بهذا الموضوع ، يستطيع المجتهد بحثها ودراستها .سئل أحد العلماء المعاصرين عن موضوع التشريح واحتمال عدم توفر جثث غير المسلمين ، فأجاب : لو فرضنا عدم توفر جثث غير المسلمين بمقدار كاف ، وكل ما موجود هو جثث المسلمين فقط . هنا يجب وضع ضوابط معينة لجثثهم طبقاً لشخصياتهم عندما كانوا على قيد الحياة، فكلما كان المتوفى ذا شخصية اسلامية مرموقة متميزة قل عرض جثته على التشريح .. أي يكون احترام جثة المؤمن كاحترامه عندما كان حيّاً . فلا يتساوى مثلاً احترام المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي مع احترام غيره من عامة المسلمين ، لان هتك حرمته تعني هتك حرمة كافة المسلمين باعتباره زعيمهم ، ومثلهم الاعلى ، وقدوتهم العظمى ، فمن المقطوع به أن يكون احترام جثته اكثر من احترام جثث غيره . ولو فرضنا وجود آلاف الجثث مع جثة شخصية مثله فانّ تلك الجثث تُشرّح وجثة هذه الشخصية لا تُشرّح .. وكذلك هناك فرق بين جثث الموتى العاديين حيث أن الجثة التي يكون أولياؤها أحياء وحاضرين عندها تختلف عن الجثة المجهولة الاولياء .. فليتبصّر المتبصرون حيث أن معادلات الاسلام دقيقة ومركّزة ، وأن قاعدة الاهمّ والمهم قاعدة موضوعية منطقية في قاموسه اذ ينادي بتقديم الاهمّ على المهم عند الضرورة ، وهذا ما أضفى عليه مرونة أكثر، وهي صفته التي يتميز بها منذ أن اشرقت انواره على البشرية ، ولم نكن نحن الذين لصقنا به هذه الصفة بل هي طبيعته التي تفضل بها على بني الانسان .. ولو كنّا قد اردنا أن نقحم به المرونة بالقوة فما كان من حقنا هذا ، فالاسلام هو الذي منح نفسه تلك الصفة ، وهو الذي قدم لنا نفسه بتلك الصفة وفق حساب دقيق . وفي الاسلام مسألة غير مسألة الاهمّ والمهم ، وهذه المسألة هي وجود الاشكال المتنوعة للاحكام الصريحة الواردة حسب الظروف المختلفة ، وفي درجة لا نظير لها من التساهل والتسامح ، فمثلاً يأمر الاسلام بالصلاة والصوم ، ويأمر بالوضوء والغسل قبل الصلاة ، وهذه كلها من الواجبات المؤكّدة .. وتتجلى عظمة الاسلام هنا عندما يُعطي تلك الواجبات اشكالاً مختلفة حسب الظروف ، فمثلاً يقول : عندما لا يستطيع الانسان أن يصلي وقوفاً لعلّة فليصلِّ جالساً ، وإن لم يقدر أن يصلي من جلوس فليصلِّ وهو مضطجع في فراشه مكتفياً بالذكر فقط ، ولو أمره الطبيب بعدم التكلم فليصلِّ بالايماء ، ولا حاجة الى العناد واللجاجة في مثل هذه المواطن .
ينقل أنّه جاء أحد العلماء الى طهران للتداوي قبل سنين حيث اُجريت له عملية جراحية في عينه ، وكانت ناجحة ، وقبل خروجه من المستشفى منعه الاطباء من ايصال الماء اليها ، لكنه لم يمتثل لعناده وتزمته ، وكان يقول : ان الاطباء لا يفهمون غير التضميد وخياطة الجرح . بعد ذلك ذهب الى قم دون اذن الطبيب ، وهناك ذهب الى احد حمّامات المدينة ودخل في حوض فيه ماء وسخ ، وغسل جسمه بما فيه عينه ، ممّا أدّى الى التهابها حتى عميت ، وفقد بصره على اثر ذلك . فهذا رجل قد خالف حكم الاسلام ، لان الاسلام يقول اذا كان في الوضوء ضرر فليتيمّم الانسان اذا اراد الصلاة ، ولو خالف وتوضأ فصلاته باطلة .. ولو قال الطبيب لاحد : أن الصوم مضر لك ، أو فيه خوف الضرر ، فليس له الحقّ أن يعترض ، ولو خالف وصام ، فصومه باطل ، وعليه قضاؤه .
لذلك فانّ لاحكام الدين اشكالاً مختلفة يحار فيها الانسان،وما هذه الاشكال إلاّ بسبب اختلاف المصالح ووجود حساب الاهمّ والمهم..ففي السفر مثلاً يأمر بالصلاة قصراً،وينهى عن الصوم.قال تعالى:(فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيام اُخر)(95) ولم هذا الحكم؟فالاية التي بعدها تجيب:(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(96)وانّها حقّاً الشريعة السهلة السمحاء ، ولكنّ أكثر الناس لا يؤمنون ولا يرضون .. وقد كان في عصر صدر الاسلام ثلّة منهم ، حيث يحدّث التاريخ أن معركة بدر كانت في شهر رمضان لكنّ النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المسلمين بالافطار لانّهم في سفر ، فاعترض بعضهم بالقول : كيف نفطر في شهر رمضان ؟ وامتعضوا من عدم أداء صيامهم ، والحال أنّه لا ينبغي لهم أن يمتعضوا لانّه حكم سماوي ، عليهم أن يطيعوه لوجود مصلحة خافية علينا.
نقل أن المرحوم الشيخ عبد الكريم الحائري كان مريضاً،وقد تقدم به السن،لكنه كان يصوم في شهر رمضان أحياناً . فقالوا له : كيف تصوم وانت لاتجوّز الصوم في مثل هذه الحالة ؟ فقال : هذا صحيح . لا يجوز الصوم بيد أن الحسّ الديني الذي أحمله لا يسمح لي بالافطار . علماً أن الفقه يقول : لو خاف الانسان على نفسه الضرر فلا يجوز له الصوم ، حتى لو لم تكن هناك مشقّة عليه في الصوم ، وهذا الحكم يشمل الشيخ الكبير والمرأة العجوز .
هذه الاُمور وأمثالها تبين لنا كيف أن الاسلام نفسه ينطبق على كل عصر ، ويصلح لكل زمان دون الحاجة الى تدخلنا لجعله كذلك..لكن لا يخفى أنّنا قد نقوم بأعمال لا تنسجم ومنطق الاسلام كرفع عبارة«حي على خير العمل»من الاذان،ووضع عبارة اُخرى مكانها أو نصلي باللغة التركية.فهذه الاعمال لا تسمى متطلبات العصر،أو تطورات الزمن،بل هي واقعاً جهل محض حيث انّها لا تدل على علم ومعرفة ووعي،وذلك لان الاسلام أعد لكل شيء حسابه وفيه من الحكم والاسرار ما لا سبيل لنا الى الاستفادة منها إلاّ أن نكون متفقهين واعين.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com