فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


الاجتهاد الممنوع

أما الاجتهاد الممنوع في نظرنا فهو الذي يعني وضع القوانين وتشريعها ، أي أن يقوم المجتهد بوضع حكم اعتماداً على فكره ورأيه الخاص ، دون أن يكون موجوداً في الكتاب والسنة . وهذا ما يصطلح عليه باسم «الاجتهاد في الرأي» وهذا النوع من الاجتهاد ممنوع عند الشيعة ، ولكن يجوزه أهل السنة ، فهم عندما يذكرون مصادر التشريع والادلة الشرعية يقولون : الكتاب والسنة والاجتهاد ، فيجعلون الاجتهاد ـ وهو الاجتهاد في الرأي عندهم ـ في مصاف الكتاب والسنة.
ان اختلاف وجهة النظر هذا ينبع من قول أهل السنة أن الاحكام التي شرعها الكتاب والسنة أحكام محدودة ومتناهية ، في حين أن الوقائع والحوادث التي تقع لا حدود لها ، فلابد اذن من مصدر آخر غير الكتاب والسنة لتشريع الاحكام الالهية ، وهو هذا الذي يعرف بالاجتهاد في الرأي . وهم يوردون عدداً من الاحاديث النبوية الشريفة بهذا الشأن ، منها مثلاً هو أنّه عندما أرسل معاذ بن جبل الى اليمن سأله: كيف تحكم هناك ؟ فقال : بما أنزل الله في كتابه . فسأله : فان لم تجد الحكم في كتاب الله ؟ فقال : أرجع الى سنة رسول الله . فسأله : فان لم تجده في سنة رسول الله ؟ فقال : أجتهد رأيي . أي أنّه يستند الى تفكيره ورأيه الخاص . وهناك روايات اُخرى يروونها أيضاً .
إلاّ أن أهل السنة يختلفون في معنى «الاجتهاد في الرأي» وكيف يجب أن يكون . فالشافعي في كتابه المعروف «الرسالة» ـ وهو أول كتاب كتب في اُصول الفقه ، وقد رأيته في مكتبة المجلسي ـ يفرد باباً باسم «باب الاجتهاد» يصرّ فيه على أن الاجتهاد المذكور في الاحاديث هو «القياس » حصراً . والقياس يعني أن نأخذ بنظر الاعتبار الحالات المشابهة وأن نصدر الحكم في القضية الجديدة بموجب هذا القياس .
إلاّ أن بعضاً آخر من رجال السنة لم يقصروا الاجتهاد في الرأي على القياس ، بل اضافوا اليه «الاستحسان » . وهذا يعني أنّنا ، بصرف النظر عن الموارد المشابهة ، نرى ما هو أقرب الى العدالة والحق ، وما يرتضيه عقلنا وذوقنا ، فنحكم على وفق ذلك . وكذلك الامر في «الاستصلاح » والمقصود به تقديم مصلحة على مصلحة اُخرى ، وكذلك «التأوّل » وهذا يعني أنّه على الرغم من أن حكماً يمكن أن يكون قد ورد في نص ديني ، أو في آية من الايات ، أو في حديث من الاحاديث النبوية المعتبرة الواصلة الينا من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاننا ، لمناسبة ما ، يحق لنا أن نصرف النظر عن مدلول النص ، ونأخذ باجتهادنا في الرأي . ان أياً من هذه المقولات يحتاج الى مزيد من البحث والتفصيل ، ويثير موضوع الشيعة والسنة . ان هناك كتباً عديدة قد كتبت في مسألة الاجتهاد في قبال النص ، ولعل خير ما كتب في ذلك هو هذه الرسالة الاخيرة التي كتبها العلامة الجليل المرحوم السيد شرف الدين رحمة الله عليه ، تحت عنوان «النص والاجتهاد» .
هذا الاجتهاد في نظر الشيعة غير مشروع . يرى الشيعه وأئمة الشيعة أن أصل الموضوع ـ أعني القول بأن احكام الكتاب والسنة ليست وافية ، فتكون حاجة الى الاجتهاد في الرأي ـ ليس صحيحاً . هناك أخبار وأحاديث كثيرة تؤيد كون أن حكم كل شيء قد ورد في الكتاب والسنة . ففي كتاب «الوافي» وبعد باب البدع والمقاييس يأتي باب تحت هذا العنوان : «باب الرد الى الكتاب والسنة وأنّه ليس شيء من الحلال والحرام وجميع ما يحتاج اليه الناس إلاّ وقد جاء فيه كتاب أو سنة»، والمعروف عن أئمة أهل البيت : أنّهم منذ القديم كانوا يخالفون القول بالقياس والاجتهاد بالرأي .
لا ريب في أن قبول القياس والاجتهاد بالرأي وعدم قبولهما يمكن بحثه من منظورين اثنين:
المنظور الاول هو ، كما قلت ، يعتبر القياس والاجتهاد بالرأي مصدرين من مصادر التشريع الاسلامي ، فندخلهما ضمن الكتاب والسنة ، فنقول أنّه يمكن أن يكون حكم من الاحكام لم يشرعه الوحي، فعلى المجتهدين أن يبيّنوا ذلك برأيهم .
والمنظور الثاني هو اعتبار القياس والاجتهاد بالرأي وسيلتين لاستنباط احكام فعلية ، بمثل تعاملنا مع الوسائل والطرق الاُخرى ، كالخبر الواحد . وبعبارة اُخرى ، يمكن أن نعطي القياس جانباً موضوعياً أو جانباً اُسلوبياً .
أما في فقه الشيعة،فان أياً من الجانبين المذكورين لا اعتبار له.فالاول على اعتبار أنّنا لا نجد حكماً لم يشرع(ولو بصورة كلية)في الكتاب أو السنة،والثاني لان القياس والرأي من التخمينات التي كثيراً ما تشط،وهذا هو أساس الاختلاف بين الشيعة والسنة،وهو يتعلق بهذا الجانب الاول فحسب،اذ يبدو أن الجانب الثاني ازداد شيوعاً واشتهاراً عند الاصوليين.ان حق «الاجتهاد»لم يدم طويلاً عند تطبيقه تطبيقاً عملياً،اذ لو استمر تطبيق هذا الحق،وخاصة اذا جوزنا«التأول»والتصرف في النصوص،وراح كل يتصرف بحسب رأيه وتأويله،لما بقي شيء من الدين.فلعل هذا هو السبب الذي اسقط حق«الاجتهاد»المستقل،استقرار رأي علماءاهل السنة على حمل الناس على الاقتصار على تقليد الائمة الاربعة المجتهدين المعـروفين:أبي حنيفـة،
والشافعي ، ومالك بن انس ، واحمد بن حنبل ، ومنع الناس من اتباع غيرهم . وقد بُدئ بهذا في مصر ، في القرن السابع ، ومن ثم عُمل به في سائر البلاد الاسلامية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com