اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
الاجتهاد المشروع
بقيت كلمة «الاجتهاد» بهذا المعنى الذي ذكرناه ، أي بمعنى القياس والاجتهاد بالرأي والممنوع عند الشيعة ، معمولاً بها حتى القرن الخامس . وكان علماء الشيعة يفردون في كتبهم باباً باسم «باب الاجتهاد» لكي يفندوا ذاك المعنى ويمنعوه ويعلنوا بطلانه ، كالشيخ الطوسي في «العدة» . إلاّ أن معنى هذه الكلمة خرج عن الاختصاص تدريجياً ، بحيث أن علماء اهل السنة انفسهم ، مثل ابن الحاجب في «مختصر الاصول» الذي شرح «العضدي» والذي كان حتى وقت متأخر من كتب الاصول الرسمية في الجامع الازهر ، ولعله ما يزال كذلك ، وقبله الغزالي في كتابه المعروف «المستصفى» ، لم يستعملوا كلمة «الاجتهاد» بمعناها الخاص ، بل استعملوها بمعناها العام الدال على مطلق الجهد والسعي للوصول الى حكم شرعي ، بمعنى «استفراغ الوسع في طلب الحكم الشرعي» . فبموجب هذا التعريف يكون الاجتهاد استخدام منتهى الجهد والسعي لاستنباط حكم شرعي من الادلة الشرعية المعتبرة . أما ما هي الادلة الشرعية المعتبرة ؟ وهل يدخل فيها القياس والاستحسان وغيرهما ؟ فتلك قضية اُخرى . ومنذ ذلك الحين تقبل علماء الشيعة هذه الكلمة،لانهم كانوا يقبلون بمعناها العام ذاك وهو معنى مشروع.فعلى الرغم من أنّهم كانوا ينفرون من هذه الكلمة أول الامر ، إلاّ أنّهم لم يظلوا على تعصبهم ازاءها بعد أن غيرت معناها الاول غير المقبول ، بل أخذوا يستعملونها، أيضاً . وهناك شواهد كثيرة على أن علماء الشيعة كانوا دائماً يسعون الى التزام جانب الوحدة والاتفاق في الاسلوب والانسجام مع جماعة المسلمين . من ذلك مثلاً أن اهل السنة يرون الاجماع حجة وينزلونه منزلة تقرب من القياس من حيث الاصالة والموضوعية ، والشيعة لا يقبلونه كذلك ، بل يقبلونه بشكل آخر ، ولكنهم في سبيل الوحدة واتفاق الاسلوب اطلقوا اسم الاجماع على ما يقبلونه . فاولئك كانوا قد قالوا أن الادلة الشرعية اربعة : الكتاب والسنة والاجماع والعقل . أي اعتبروا العقل بدلاً من القياس . على كل حال ، عاد الى كلمة «الاجتهاد» معناها الصحيح والمنطقي بالتدريج ، بمعنى استعمال التدبر والعقل في فهم الادلة الشرعية ، وهذا بالطبع يتطلب معرفة عدد من العلوم هي بمثابة المقدمة لنيل الجدارة والاستعداد للتعقل والتدبر الصحيحين . فقد ادرك علماء الاسلام بالتدريج أن استنباط الاحكام الشرعية واستخراجها يتطلب مجموعة من المعارف والعلوم الاولية ، كالعلوم الادبية ، والمنطق ، ومعرفة القرآن ، والتفسير ، والحديث ، ومعرفة رجال الحديث ، وقواعد العلم والاصول ، وحتى الاطلاع على الفقه عند سائر الفرق الاسلامية . فالمجتهد هو من اجتمعت فيه هذه العلوم . يغلب على ظني ـ دون أن اقطع بذلك ـ أن أول من استعمل كلمتي الاجتهاد والمجتهد بهذا المعنى من الشيعة هو العلامة الحلي.ففي كتابه«تهذيب الاصول»باب باسم باب الاجتهاد، ويأتي بعد باب القياس،حيث يستعمل الكلمة بالمعنى الذي سبق ذكره والشائع في الوقت الحاضر. وعليه فان الاجتهاد الممنوع والمردود في نظر الشيعة هو الرأي والقياس الذي كان يدعى قديماً باسم الاجتهاد ، سواء اذا اعتبرناه مصدراً للتشريع والتقنين مستقلاً أم اتخذناه وسيلة لاستنباط الحكم واستخراجه . أمّا الاجتهاد المشروع فهو إعمال الجهد والسعي المبنيين على التخصص الفني. لذلك اذا تساءل احدهم عن صيغة الاجتهاد في الاسلام ، وما هي مقولته ؟ وما محله من الاعراب ؟ ينبغي القول أن الاجتهاد بمعناه السائد اليوم ، هو الاهلية والتخصص الفني . بديهي أن من يريد الرجوع الى القرآن والحديث ، عليه أن يعرف تفسير القرآن ، ومعاني آياته ، والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه فيه ، وعليه أن يميز الحديث المعتبر من الحديث غير المعتبر ، وأن يكون قادراً على حل مسائل التعارض في الاحاديث ، الى الحد الممكن ، على اسس صحيحة من التعقل ، وأن يعرف مواضع الاجماع المتفق عليها . ان في القرآن نفسه وفي الاحاديث قواعد كلية ، يتطلب استعمالها وإعمالها التمرين والتمرس ، كما هي الحال في الاستفادة من جميع القواعد والقوانين . فبمثل ما على الصانع الماهر أن يختار ممّا امامه من مواد وادوات تلك التي تفي بالغرض ، على المجتهد كذلك أن يتصف بالمهارة والاستعداد ، خاصة وأن الاحاديث الموضوعه كثيرة ، قد اختلط فيها السليم بالسقيم ، فعليه أن يكون قادراً على أن يميز سليمها من سقيمها ، وباختصار ، لابدّ له من التزود بمقدار من المعلومات والمقدمات ما يجعله حقاً مؤهلاً وصالحاً ومتخصصاً فنياً لذلك .
|
|