اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
مكافحة الاخبارية
كانت الاخبارية حركة مناوئة للعقل . وهي تتميز بجمود وجفاف عجيبين ، ولكن من حسن الحظ أن اشخاصاً حكماء ، مثل وحيد البهبهاني المعروف باسم (آقا) والذي ينتسب اليه (الاغوات) من آل آقا ، وكذلك طلابه ، ومن ثم المرحوم الحاج شيخ مرتضى الانصاري أعلى الله مقامه ، بادروا الى الوقوف بوجه هذه الحركة . كان وحيد البهبهاني في كربلاء ، وفي الوقت نفسه كان صاحب «الحدائق» الاخباري في كربلاء أيضاً ، وكان لكليهما حلقة درس . كان وحيد اجتهادي المسلك ، وكان صاحب «الحدائق» اخباري المسلك . ولقد كان صراعاً صعباً حقاً ، انتهى بانتصار وحيد البهبهاني على صاحب «الحدائق » . يقال أن تلامذة البهبهاني المبرزين من امثال كاشف الغطاء ، وبحر العلوم ، والسيد مهدي الشهرستاني ، كانوا من تلامذة صاحب «الحدائق» أول الامر ، ثم تركوه الى حلقة البهبهاني . ولكن صاحب «الحدائق » كان اخبارياً معتدلاً ، وهو نفسه يدعي أنّه والمرحوم المجلسي كانا على مسلك واحد ، وأنّه وسط بين الاخباري والاصولي ، كما أنّه كان تقياً مؤمناً يخشى الله . وعلى الرغم من أن صراع البهبهاني معه كان عنيفاً ، وأنّه منع صلاة الجماعة معه ، كان هذا على العكس من ذلك يجيز الصلاة خلف البهبهاني . ويقال أنّه أوصى أن يصلي عليه البهبهاني عند موته . أمّا الشيخ الانصاري فقد كافح الاخبارية بوضعه أساساً متقناً لعلم الاصول ، بحيث أنّه كان يقول لو أن أميناً الاسترآبادي كان حياً لقبل بما وضعته في علم الاصول . وعلى اثر هذه المكافحات اندحرت الطريقة الاخبارية ، وليس لها اليوم اتباع إلاّ في بعض الزوايا النائية . إلاّ أن الافكار الاخبارية التي انتشرت بسرعة كبيرة بظهور امين الاسترآبادي في العقول والافكار وعاشت اكثر من مئتي سنة لم تخرج من الاذهان نهائياً بعد . فنحن ما نزال نجد أن الكثيرين لا يجيزون تفسير القرآن بدون الاستناد الى الحديث ، وان الجمود الاخباري ما يزال يسود كثيراً من المسائل الاخلاقية والاجتماعية ، بل وحتى في بعض القضايا الفقهية ، إلاّ أنّنا لسنا بصدد هذا الان . ان ما يبعث على انتشار طراز التفكير الاخباري بين العامة هو ارضاء ما يميل اليه العامة ، وذلك لان اسلوب اقناعهم يكون على هذا المنوال : انّنا لا نقول شيئاً من عندنا ، انما نحن من اهل التسليم والتعبد ، ولا نقول سوى : قال الباقر(عليه السلام) وقال الصادق (عليه السلام) ولا نتحدث من انفسنا. انّنا نعيد كلام المعصوم فحسب . ينقل الشيخ الانصاري ، في «فوائد الاصول» في بحث البراءة والاحتياط ، قولاً للسيد نعمة الله الجزائري الاخباري ، يقول فيه : «هل يحتمل أي عاقل أن يؤتى يوم القيامة بعبد من عبيد الله (ويقصد احد الاخباريين) فيسأل كيف كان يعمل ، فيقول : بما أمر المعصومون ، وحيثما لم اجد قولاً لمعصوم كنت اعمل بالاحتياط ، فيساق انسان كهذا الى النار ، ثم يؤتى بانسان آخر لا يتقيد ولا يعنى بقول المعصوم (ويقصد احد الاصوليين القائلين بالاجتهاد) وينبذ الاحاديث بعذر من الاعذار ، فيأخذونه الى الجنة ؟ كلا وحاشا لله». يقول المجتهدون في رد ذلك أن هذا ليس تعبدا وتسليماً بقول معصوم ، بل هو تسليم بالجهالة اذ لو احرزنا حقاً أن المعصوم قد قال تلك المقالة لما توانينا عن التسليم به نحن أيضاً ، ولكنكم تريدون من باب الجهل التسليم بكل ما تسمعونه . هنا،لكي ابين الفرق بين الجمود الاخباري والفكر الاجتهادي،اذكر لكم ما صادفني مؤخراً.
|
|