فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


نموذج من طراز التفكيرين

جاء في احاديث كثيرة أن «تحت الحنك» يجب أن يلقى دائماً تحت الرقبة ، ليس وقت الصلاة فحسب ، بل في كل الاحوال . أحد تلك الاحاديث يقول : «الفرق بين المؤمنين والمشركين التلحي» والمقصود هو أن على المسلمين أن يتركوا «تحت الحنك» ملقى تحت الحنك ، فيتمسك عدد من الاخباريين بهذا الحديث ، ويقولون أن هذا يسري على كل الازمنة ودائماً . غير أن المرحوم الملا محسن فيض ، وبالرغم من عدم تحبيذه الاجتهاد ، يجتهد في باب الزي والتجمل في كتابه «الوافي» بهذا الخصوص ، فيقول : كان شعار المشركين في القديم أن يربطوا «تحت الحنك» الى الاعلى وكانوا يطلقون على ذلك اسم «الاقتعاط» فاذا ما شوهد احد يفعل ذلك علم أنّه من المشركين ، فهذا الحديث يأمر بمحاربة ذلك وعدم اتباعه . أمّا اليوم فلم يعد لذاك الشعار وجود ولم يبق بذلك موضع لهذا الحديث ـ بل على العكس ، اذ ما دام الجميع أخذوا اليوم يربطون «تحت الحنك» الى الاعلى ، فان ربطه من تحت الحنك الى الاعلى حرام ، اذ يصبح عندئذ لباس الشهرة ، ولباس الشهرة حرام .
الاّ أن الجمود الاخباري يقول : لقد ورد في نص الحديث أن نرخي«تحت الحنك»فليس علينا أن نتطفل بعد ذلك،ونرتئي ونجتهد.ولكن الفكر الاجتهادي يقول:امامنا امران:الاول هو محاربة شعار المشركين وتجنبه،وهذا هو روح الحديث،والامر الثاني هو ترك لباس الشهرة. ففي الايام التي كان فيها هذا الشعار سائداً،وكان المسلمون يتجنبونه،كان على جميع المسلمين أن يرخوا«تحت الحنك».ولكن بعد أن اندرس ذاك الشعار وخرج عن كونه شعاراً للمشركين ولم يعد احد يرخي«تحت الحنك»عملياً،فان ارخاءه يعتبر مصداقاً للباس الشهرة وهو حرام. هذا لون واحد من الوان الجمود الاخباري،وهناك امثلة اُخرى كثيرة.
ينقل عن وحيد البهبهاني أنّه قال : لقد ثبت هلال شوال بالتواتر،فقد جاءت اعداد كبيرة من الناس وقالت انها شاهدت هلال شوال بحيث أنّه قد ثبت عندي وحكمت بأن اليوم عيد الفطر ، فاعترض عليّ احد الاخباريين قائلاً لي : انك لم تره بنفسك ، والذين شهدوا عندك لم يكونوا من المسلم بعدالتهم ، فكيف تحكم ؟ قلت : حكمت بالتواتر ، فقد حصل عندي اليقين بالتواتر . فقال : في أي حديث جاء أن التواتر حجة ؟
كذلك ينقل عن وحيد البهبهاني قوله : أن جمود الاخباريين يبلغ حدّاً بحيث أنّه اذا فرضنا أن مريضاً استشار احد الائمة فقال له : اشرب ماءً بارداً ، لقال الاخباريون لجميع مرضى العالم : كلما مرضتم ، ومهما كان مرضكم ، فعلاجكم هو الماء البارد ، فهو لا يدرك أن ذاك العلاج كان خاصاً بحالة ذاك المريض ، لا المرضى كلهم .
من المعروف أيضاً أن بعض الاخباريين كانوا يأمرون بكتابة الشهادتين على كفن الميت هكذا : «اسماعيل يشهد أن لا اله إلاّ الله ...» فلماذا تكتب هذه الشهادة عن لسان اسماعيل ؟ السبب هو أنّه قد ورد في الحديث أن الامام الصادق (عليه السلام)كتب على كفن ولده اسماعيل تلك العبارة ، فلم يفكّر الاخباريون في أن ذكر اسماعيل جاء لان اسم الميّت كان اسماعيل ، فاذا مات اليوم حسن قلي فلم لا نكتب اسمه هو بدلاً من اسم اسماعيل ؟ يرد الاخباريون بأن هذا اجتهاد وإعمال نظر واتكاء على العقل وما نحن إلاّ اهل تعبد وتسليم واهل قال الباقر (عليه السلام)وقال الصادق (عليه السلام) وليس لنا أن نتدخل .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com