اسم الكتاب: التجديد والاجتهاد في الاسلام
حديث الامام الصادق (عليه السلام)عن التقليد الممنوع
لقد جاء في ذيل تلك الاية ، كما ذكرنا ، هذا الحديث . يأتي شخص الى الامام الصادق (عليه السلام)ويقول له : ان العامة والجهال من اليهود لم تكن لهم مندوحة عن القبول بكل ما كانوا يسمعونه من علمائهم فيقلدونهم فيه . فاذا كان في الامر قصور ، فهو قصور علماء اليهود ، فلماذا يذم القرآن أولئك العامة من الناس الذين لم يكن لهم بد من اتباع علمائهم ؟ وما الفرق بين العامة من اليهود والعامة من المسلمين ؟ فاذا كان تقليد العامة للعلماء مذموماً ، فينبغي أن يلام عامّتنا أيضاً لتقليدهم علماءنا ، واذا كان على أولئك ألاّ يقبلوا باقوال العلماء ، فعلى هؤلاء أيضاً مثل ذلك . فقال الامام : «بين عوامنا وعلمائنا وبين عوام اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة . أمّا من حيث استووا فان الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما قد ذم عوامهم . وأمّا من حيث افترقوا فلا» . فطلب الرجل مزيداً من التوضيح ، فقال الامام ان عوام اليهود كانوا عملياً عارفين بكذب علمائهم الصريح وبأنهم لم يكونوا يتحرزون من اخذ الرشوة ، وكانوا يغيّرون الاحكام والقضاوة بالمحسوبية والرشوة،وكانوا يعرفون أنّهم كانوا يمالئون،فيميلون مع من احبوا، وعلى من كرهوا،ويعطون الحق لغير اهله.ثم قال:«واضطروا بمعارف قلوبهم الى أن من يفعل ما يفعلونه فاسق لا يجوز أن يصدق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله» . هنا يريد الامام أن يقول: ينبغي ألاّ يقول احد أن عوام اليهود لم يكونوا يعلمون أنّه لا يجوز لهم أن يتبعوا اقوال علمائهم الذين كانوا هم يخالفون شريعة السماء . ذلك لان هذا ليس ممّا لا يعلمه احد ، فقد جعل الله الناس يعلمون هذا بفطرتهم وبالعقل الذي وهبه لكل فرد منهم ، وكما جاء في المنطق : القضايا قياساتها معها. فمن كانت فلسفة وجوده الطهارة وتجنب الهوى ، ثم انحرف الى اتباع الهوى وحب الدنيا ، ستحكم العقول كلها بعدم الاستماع اليه . ثم قال الامام (عليه السلام): «وكذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائنا الفسق الظاهر والعصبية الشديدة والتكالب على حطام الدنيا وحرامها وهلاك من يتعصبون عليه ، وإن كان لاصلاح امره مستحقاً ، وبالترفق بالبر والاحسان على من تعصبوا له وإن كان للاذلال والاهانة مستحقاً، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء ، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم» . وعلى ذلك يتضح أن التقليد المشروع والممدوح ليس «التسليم الاعمى» ، بل هو فتح العيون والمراقبة وإلاّ فانه مسؤولية واشتراك في الجرم .
|
|