فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


ظنّ العامة في عصمة العلماء

يظن بعض الناس أن تأثير الذنوب في الناس ليس متساوياً ، وانها تؤثر في الناس العاديين فتسقطهم من العدالة والتقوى ، ولكنها لا تأثير لها في العلماء ، كما لو كانوا يشبهون «الكُر» أو أنّهم يتصفون بالعصمة ، كالفرق بين الماء القليل والماء الكثير بحيث أن الكثير منه اذا كان بمقدار «الكر» لم يتأثر بالنجاسة ، في حين أن الاسلام لم يقل «بكرّيّة» احد ولا بعصمته(99)، وحتى بالنسبة لشخص الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، لانه يقول : (إني اخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)(100) ولانه يقول : (لئن اشركت ليحبطنّ عملك)(101) كل هذا يدل على عدم وجود أي تمييز ، وأنّه لا احد «كر» ولا معصوم .
ان قصة موسى والعبد الصالح الواردة في القرآن قصة عجيبة ، ان العبرة الكبيرة التي نستفيدها من هذه القصة هي أن مقدار تسليم التابع لمتبوعه يقف عند حد عدم خرقه الاصول والمبادئ والقانون وعدم سريان الفساد اليه ، فاذا رأى التابع متبوعه يرتكب ما لا يتفق والاصول والمبادئ فلا يمكنه السكوت . ويظهر من هذه القصة أن العمل الذي قام به العبد الصالح لم يكن يتنافى والاصول ، بل كان الواجب المكلف به نفسه ، بالنظر لانه كان يتمتع بافق ارحب ويرى أعمق في باطن الاُمور ، ولكن التساؤل يكون : لماذا لم يكن موسى يصبر ، بل يعجل في الانتقاد ، على الرغم من أنّه كان يعد في كل مرة بعدم الاعتراض وحمل نفسه على الصبر ؟ لم يكن في نقد موسى ما يعيب ، بل كان في عدم ادراكه لب القضية وباطنها . اذ لا شك في أنّه ما كان ليعترض أو ينتقد لو كان عليماً ببواطن الاُمور ، انما كان يريد أن يصل اليها . وبما أنّه كان يرى في ذلك عملاً يتنافى مع الاصول ومع القانون الالهي ، لم يجز له ايمانه أن يلتزم الصمت ، حتى أن بعضهم قال : لو أن العبد الصالح ظل يكرر اعماله تلك الى يوم القيامة ، لما توقف موسى من اعتراضاته وانتقاداته حتى يصل الى مغزى الموضوع .
قال موسى:(هل اتبعك على أن تعلمن ممّا علمت رشداً؟)(102) فيقول له : (انك لن تستطيع معي صبراً)(103) لن تقوى على السكوت على ما ترى . ثم يفسر ذلك بقوله : (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً)(104)
فيعده موسى قائلاً : (ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً)(105)إنّه لم يقل له أنّه سيصبر سواء أعلم بالمغزى أم لم يعلم ، إنّه تمنى أن تحصل فيه القدرة على الصبر والتحمل . وما كانت هذه لتحصل عنده ألاّ بعد الاطلاع على المغزى وباطن الاُمور . فاراد العبد الصالح أن ينتزع منه وعداً صريحاً بأنه سيصبر حتى وإن لم يصل الى فهم الامر ، فقال : (قال فان اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكراً)(106)الى هنا لا يذكر القرآن ان كان موسى قد وافق على هذا ، ولكنه يقول انهما استأنفا سيرهما ، الى آخر القصة التي لابد انكم سمعتم بها .
القصد هو أن تقليد الجاهل للعالم ليس تسليماً مطلقاً ، اذ التقليد الممنوع هو هذا المتسم بالتسليم المطلق الذي ينطوي تحت مقولة «ليس للجاهل على العالم حق المناقشة ، فالجاهل لا يعلم ولعل التكليف الشرعي يقتضي كذا وكذا» وأمثالها . ولقد أوردت هذه الحادثة شاهداً يؤيد ما ذكر في حديث الامام الصادق (عليه السلام) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com