فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


عدم جواز تقليد الميت

ان مسألة عدم جواز تقليد الميت من حيث المبدأ من المسائل المسلم بها في الفقه عندنا . وما جواز ذلك إلاّ في حالة الاستمرار في تقليد من كانوا يقلدونه في حياته ، ثم مات . ثم ان هذا الجواز يجب أن يكون بموافقة مجتهد حي وتصويبه . ولستُ هنا في معرض تناول الادلة الفقهية بهذا الشأن ، ولكني أرى صحة هذا الاتجاه بشرط أن يكون هدفه واضحاً .
الفائدة الاُولى من ذلك هو إدامة بقاء الحوزة العلمية والدينية والحفاظ على العلوم الاسلامية ، بل لا الحفاظ عليها فحسب ، وانما العمل على أن تتقدم يوماً بعد يوم ، وتتكامل ، وتحل المشاكل التي لم تحل بعد .
ليس صحيحاً أن جميع المشاكل قد حلها العلماء ولم تعد لدينا مشكلة ما . انّنا نجد آلاف الالغاز والمشاكل في الكلام والتفسير والفقه وسائر العلوم الاسلامية ، ممّا قام العلماء العظام السابقون بحل الكثير منها ، ولكن بقي منها الكثير الذي يتطلب الحل ، وانّه لمن واجب الاتين أن يحلّوا تلك المشاكل ، ويكتبوا فيها كتباً افضل واشمل ، فيديموا تلك العلوم ويتقدموا بها ، بمثلما أمكن في الماضي التقدم بالتفسير الى الامام ، وكذلك بعلم الكلام ، وبالفقه . على هذه القافلة ألاّ تتوقف عن المسير . اذن تقليد الناس المجتهدين الاحياء والتوجه اليهم وسيلة من وسائل ادامة العلوم الاسلامية وتكاملها .
من الاسباب الاُخرى لعدم تقليد الميت هو أن المسلمين يواجهون كل يوم مسائل جديدة في الحياة لا يعرفون موقفهم منها ، وهذا يتطلب فقهاء احياء وذوي افكار حية حتى يجيبوا على المسائل . ورد في احد اخبار الاجتهاد والتقليد:«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة احاديثنا» والحوادث الواقعة هي ما يجدّ من جديد على مدى الزمن سنيناً وقروناً . أن دراسة الكتب الفقهية وتتبعها خلال قرون مختلفة يكشف أن الكثير من احتياجات الناس الجديدة ادخلت مسائل جديدة في الفقه ، وقام الفقهاء بوضع الحلول لها ، وهكذا ازداد حجم الفقه تدريجياً .
ان البحث الزمني الدقيق يمكن أن يكشف عن المسائل الجديدة، وتاريخ دخولها الفقه ، وسبب دخولها ، والحاجة التي استدعتها . فاذا لم يجب المجتهد الحي على هذه المسائل الجديدة فلا فرق بين تقليد الحي والميت ، بل قد يفضل بعض الاموات على بعض الاحياء ، كالشيخ الانصاري ، مثلاً والذي يعترف بأعلميته كثير من الاحياء .
ثم أن معنى (الاجتهاد) نفسه يصح في تطبيق السنن الكلية على الجديد من الحوادث المتغيرة . فالمجتهد الحقيقي هو الذي ادرك هذا المعنى، وعرف كيف أن المواضيع تتغير ممّا يستتبع تغير احكامها . أمّا مجرد اعمال النظر في القديم ، الذي سبق للاخرين أن اعملوا فيه نظرهم ، ومن ثم تبديل حكم من «على الاقوى» الى «على الاحوط» أو العكس ، لا يكون امراً يستحق كل هذا الصخب والجدل .
لاشك أن للاجتهاد شروطاً ومقدمات كثيرة،فعلى المجتهد أن يتعمق في علوم متنوعة،وأن يكون عارفاً بالادب العربي وبالمنطق وُاصول الفقه وحتى بتاريخ الاسلام وبالفقه عند سائر الفرق الاسلامية،ويتطلب كل هذا الكثير من الجهد والممارسة حتى يبرز فقيه حقيقي.ان مجرد قراءة بضعة كتب في الادب والنحو والصرف والمعاني والبديع والمنطق،ومن ثم مطالعة بضعة كتب معينة اُخرى من السطوح مثل«الفوائد»و«المكاسب»و«الكفاية»ومن ثم حضور الدروس الخارجية بضع سنوات،لا تمكن المرء من الادعاء بالاجتهاد،فيضع امامه«الوسائل»و «الجواهر»ويصدر الفتاوى المتتالية،بل أن عليه أن يعرف حق المعرفة التفسير والحديث، وهذا يعني تمحيص الاحاديث الواردة خلال250سنة من عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى الامام العسكري(عليه السلام)،ومعرفة محيط هذه الاحاديث،أي تاريخ الاسلام، والفقه عند الفرق الاُخرى،والرجال،وطبقات الرواة،وغير ذلك.لقد كان المرحوم آية الله البروجردي أعلى الله مقامه فقيهاً حقاً. انني لم أعتد على ذكر اسماء ، كما انني لم انوّه باسمه في محاضراتي طيلة حياته ، أمّا الان ، وبعد وفاته ، وانتفاء أي طمع فيه ، أقول أن هذا الرجل كان حقاً فقيهاً مبرزاً وممتازاً ، ومستوعباً لكل المواضيع المذكورة من تفسير وحديث ورجال ودراية بفقه سائر الفرق الاسلامية ، ومحيطاً بها احاطة تامة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com