فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التجديد والاجتهاد في الاسلام


المجلس الفقهي

ثمة اقتراح آخر اقدمه هنا ، وأعتقد أن من الخير أن يقال ، وهو انه بعد أن ظهرت الفروع التخصّصيّة في جميع علوم الدنيا ، فكانت سبباً في تقدم العلوم تقدماً محيراً للعقول ، ظهر أمر آخر الى حيّز الوجود كان أيضاً عاملاً مهماً من عوامل التقدم والتطور ، ألا وهو التعاون الفكري بين العلماء من الطراز الاول والمنظّرين في كل فرع . في عالم اليوم لم يعد لفكر الفرد وللتفكير الفردي قيمة تذكر ، والعمل الفردي لايوصل الى نتيجة . ان علماء كل فرع من فروع العلم مشغولون دائماً بتبادل النظر بعض مع بعض ، يضعون حاصل فكرهم وعصارة عقولهم تحت تصرف العلماء الاخرين . بل أن علماء قارة ما يتبادلون معلوماتهم مع علماء قارة اُخرى ويتعاونون معهم . فيكون من أثر هذا التعاون وتبادل المعلومات والتعرف على وجهات نظر الاخرين انه اذا كانت هناك نظرية نافعة وصحيحة ، أمكن نشرها بسرعة أكثر لتأخذ مكانها ، واذا كانت النظرية باطلة ، أمكن اعلام بطلانها سريعاً واطراحها بعيداً ، دون أن يضطر طلاب العلم الى التمسك بها حتى يتبين لهم بطلانها بعد سنين .
انه لما يؤسف له أنّنا لا نرى بيننا أي تقسيم للعلم والتخصص ، ولا أي تعاون وتبادل نظر . ومن البديهي أنّنا بهذا الوضع لا يمكن أن نتوقع تقدماً وحلاًّ للمشاكل .
على الرغم من أن اهمية التشاور العلمي وتبادل النظر واضحة ولا تتطلب البرهنة عليها ، ولكن لكي يتبين أن الاسلام نفسه يحتوي على امثال هذه التطلعات والمبادئ التقدمية ، نورد آية من القرآن وقطعة من نهج البلاغة :
جاء في القرآن ، في سورة الشورى :
(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون)(108).
هذا هو الوصف الذي يصف به الله المؤمنين وأتباع الاسلام . اذن ، فالاسلام يرى أن التعاون الفكري وتبادل النظر من المبادئ الاصلية في حياة المؤمنين .
وفي نهج البلاغة : «واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونه ، ويفجرون عيونه ، يتواصلون بالولاية ، ويتلاقون بالمحبة ، ويستاقون بكأس روية ويصدرون برية» أي اعلموا أن الذين عهد الله اليهم بعلمه يحفظونه ، ويجرون ينابيعه ، أي أنهم يفتحون أبواب العلم بوجوه الناس ، يرتبط بعضهم ببعض بروابط المحبة والتعاطف ، يتلاقون بالمحبة والبشاشة ، ويرتوون من كأس العلم والفكر ، يتعاطون كؤوس العلم والمعرفة التي يدخرها كل منهم ، وتكون النتيجة أن يرتوي الجميع رياً .
فلو أنشئ مجمع علمي للفقهاء ، وتحقق مبدأ تبادل النظر ، فان ذلك فضلاً عن انه يؤدي الى تكامل الفقه وتطوره ، فانه يزيل كثيراً من الاختلاف في الفتاوى .
ليس هناك طريق آخر ، لاننا اذا كنا ندعي أن فقهنا من العلوم الحقة في العالم ، فلا بد لنا من اتباع الاساليب التي تتبع في سائر العلوم الاُخرى ، واذا لم نفعل ذلك فمعنى ذلك أن الفقه خارج عن صف العلوم .
ثمة اقتراحات اُخرى وددت أن اذكرها ، غير أن الوقت لايتسع لها الان .
ان الاية التي قرأتها في بداية الكلام تقول :
(فلولا نَفَرَ من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)(109).
هذه الاية الكريمة تأمر بصراحة بأن جمعاً من المسلمين يجب أن يتعمقوا في دراسة الدين وأن يضعوا معارفهم وفقههم في خدمة الاخرين .
التفقّه من مادة «فقه» ومعناها ليس الفهم المطلق ، بل تطلق الكلمة على التعمّق والتبصر الكامل في حقيقة أمر من الاُمور . وقد جاء في مفردات الراغب : «الفقه هو التوصل الى علم غائب بعلم شاهد» وفي الفقه يقول : «تفقه اذا طلبه فتخصص به» .
فهذه الاية تطالب الناس ألاّ يكونوا سطحيين في فهم الدين ، بل عليهم أن يتعمقوا ليدركوا روح التشريع .
وهي أيضاً دليل يؤيد الاجتهاد والتفقّه ، كما انها سند يؤيد مقترحاتنا . فكما أن هذه الاية تمد بساط الاجتهاد والتفقّه في الاسلام ، فهي تحكم أيضاً بزيادة مد هذا البساط ، للالتفات الى الضرورات ، وتنفيذ المجمع العلمي الفقهي ، والقضاء على الانفراد والفردية ، والتخصص في فروع الفقه ، لكي يستمر فقهنا في طريق التكامل .
والحمد لله رب العالمين

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com