قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: عالم الآخرة
ممّ يتكوّن الإنسان ؟
إنّ مسألة تفسير الكيان الإنساني لهي مسألة من أعقد مسائل العلم والفلسفة ، وعندما نستطيع فهم هذا الكيان الإنساني فاننا نستطيع أن نفهم الإنسان والحياة ونفسّرهما تفسيراً علمياً سليماً . وينبغي أن نفهم أنّ الاختلاف في فهم الكيان الإنساني وحقيقة الإنسان، هو من أبرز مصادر الاختلاف العقيدي والفكري والحضاري بين المدرسة الإسلامية والمدارس المادية. ولقد تقاسم التفسير البشري لحقيقة الإنسان على امتداد العصور والأزمنة، الماضي منها والحاضر تفسيران اثنان هما : 1 ـ التفسير المادي الذي لايرى في الإنسان غير أ نّه كيان مادي مكوَّن من مجموعة من الأجهزة والفعاليات المادية. وعندما يفقد الحياة سينحل ويستهلك في تراب الأرض وتنتهي دورة وجوده في عالم الطبيعة إلى الأبد . وقد مثّل هذا التفكير والاتجاه المادي على مدى العصور الفهم الجاهلي المنكر لوجود الله تعالى الذي سجّله القرآن بنصه : (إنْ هيَ إلاّ حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِين ) . ( المؤمنون : 37 ) 2 ـ أمّا التفسير الثاني فهو التفسير الإلهي لحقيقة الإنسان وفهم كيانه. وهو الفهم والتفسير الّذي عرَّف الإنسان بحقيقته، عرَّفه بأنّه كيان روحي مجرَّد عن صفات المادة وخصائصها ، وهو غير البدن العضوي والجهاز المادي الذي يؤدي الفعاليات والنشاطات المادية. وهو الذي ينطق عنه الإنسان فيقول (أنا) ، فليس (الأنا) الذات الإنسانية هي ذلك الكيان الجسدي، بل هي ذلك الكيان الروحي المستقل . لذلك يقول الإنسان : هذه يدي ، وهذا رأسي ، وهذا جسدي . فهو يشعر بالاثنينية، ويعبِّر عنها بقوله هذا . والكيان الإنساني (الروح) هو القوة المدركة ، وهو القوة التي تشعر بالألم واللذّة والخوف والسرور والحزن، وهو القوة الناطقة . وما الجسم إلاّ آلة لتنفيذ مآرب النفس، كما يقول الفلاسفة الاسلاميون، وليست الأجهزة الحسّية والدماغ إلاّ أدوات يستخدمها الإنسان (الكيان الروحي) لفهم العالم المادي والتعامل معه . فليس بوسع أي كيان مادي أن يدرك المعارف والآلام واللذّات ويقايس بين الأشياء . وقد تحدّث القرآن في تفسير حقيقة الكيان الإنساني فأوضح بأنّه كيان مؤلَّف من روح وله جسد ، وأنّ الروح (النفس) هي كيان متميِّز عن الجسد . وهي وجود قائم في الجسد ، وبه يُعمّر الجسد ، ويمارس أنماط الفعاليات. وذلك التفسير مقروء في قوله تعالى : (اللهُ يَتوفّى الأنفُسَ حينَ مَوْتِها والّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فيُمسكُ الّتي قَضى عَليها الموتَ ويُرسِلُ الاُخرى إلى أجَل مُسمّىً إنَّ في ذلك لآيات لِقَوم يَتفكَّرون ) . ( الزمر / 42 ) (قُلْ يَتَوفّاكُم مَلَكُ المَوْتِ الّذي وكِّلَ بِكُم ) . ( السجدة / 11 ) (وهُوَ الّذي يَتَوفّاكُم بالليلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُم بالنّهارِ ثُمّ يَبعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسمّىً ثُمّ إليهِ مَرجِعُكُمْ ثُمّ ينبِّئُكُمْ بِما كُنْتُم تَعملون ) . ( الأنعام / 60 ) (وَلَو تَرى إذ الظّالِمونَ في غَمَراتِ الموتِ والمَلائِكَةُ باسِطو أيدِيهم أخْرِجوا أنفُسَكُم اليومَ تُجزَونَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُم تَقُولُونَ على اللهِ غيرَ الحقِّ وكُنْتُم عَن آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) . ( الأنعام / 93 ) فها هو القرآن الكريم صريح في بيانه وتفسيره للكيان الإنساني، فهو وجود مكوّن من عنصري المادة والروح، فالعنصر المادي هو (الجسد) ، وهو جزء من عالم الطبيعة، يخضع لقوانينه الطبيعية بأسرها ويعمل وفقها . ومن (روح) مجردة، لها نظامها وقانونها الخاص . ونجد ذلك في دلالات البيانات الآتية : (اللهُ يتوفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والّتي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَليها الموتَ ويُرسِلُ الأخرى إلى أجل مُسمّىً إنَّ في ذلك لآيات لِقَوْم يَتَفَكَّرُون ) . ( الزمر / 42 ) (يَتَوَفّاكُم بالليلِ ويَعْلمُ ما جَرَحْتُم بالنَّهار ) . ( الأنعام / 60 ) (ثُمّ يَبْعَثُكُم فِيه ) . ( الأنعام / 60 ) (أخْرِجُوا أنفُسَكُم اليَومَ تُجْزَونَ ) . ( الأنعام / 93 ) فكل تلك البيانات تؤكّد أنّ النفس كيان مستقل عن البدن، لذلك فانّ النفس تنفصل عن الجسد في النوم، ويتوفّاها الله في المنام، وعند الموت . ولذلك ينادي الملائكة المجرمين بقولهم : أخرجوا أنفسكم من أجسادكم، أي اتركوا الدّنيا وهلموا إلى عالم الآخرة ، لتلقوا جزاءكم . وهكذا يتضح لنا أنّ النفس كيان مجرّد ينفصل عن الجسد ويخرج منه عند الموت وفي المنام، مع بقاء الحياة () واستمرارها عند المنام ، وانقطاعها عند الموت . وتأسيساً على هذا البيان القرآني شاد الفلاسفة والباحثون الإسلاميون أبحاثهم ودراساتهم في فلسفة الأخلاق والعلوم والسلوك والبعث والبرزخ، لارتباطها بالكيان الروحي المستقل للإنسان . ولننقل بعض مقالاتهم الّتي تحدثت في هذا الموضوع : قال الشيخ محمّد مهدي النراقي (1209 هـ ) : (اعلم انّ الإنسان منقسم إلى سرّ وعلن، وروح وبدن...) . ثمّ قال : (انّ البدن مادي فان ، والروح مجرد باق) . ثمّ قال : (لا ريب في تجرّد النفس وبقائها بعد مفارقتها عن البدن) () . وتحدّث الفيض الكاشاني عن الروح فقال : (وقد علمت أنّ نفس الإنسان وروحه غير بدنه العنصري المحسوس، وإليه أشير بقوله عزّ وجلّ : (ثُمّ أنشأناهُ خَلْقاً آخَر )فهذا الخلق الآخر إنما هو من النشأة الأخرى الباقية، وهي غير هذه النشأة الدنياوية الفانية، وهو روح الله المنفوخ في هذا القالب بعد استعداده له، وهو الغرض الأصلي من هذه الخلقة والتركيب، وأما المراتب السابقة عليه فإنما خلقت لتكون غشاءً وغلافاً حافظاً ، وهو الإنسان بالحقيقة، وإنما البدن آلة لتحصيل كمالاته خارجاً عن ذاته) () . وتحدّث السيد عبدالله شبّر عن الروح فقال : (والذي عليه أكثر المحققين انّ الإنسان مركّب من روح وبدن، وهما جوهران حقيقتهما مختلفتان وبينهما علاقة تامة مع نهاية البعد ، فإن الروح مخلوقة مما خلق منه الملائكة من العالم العلوي، والبدن مخلوق من التراب والعالم السفلي، ولكل منهما عمل وأثر ليس للآخر، فأفعال البدن الرؤية والسماع والرائحة والقول والنوم واللمس ونحوها مما يدرك بالحواس الظاهرة والقوى والأعضاء ، وآثار الروح اللذة والألم والصفات والملكات والفهم والعلم والاعتقادات، ولذا لايوصف البدن بالشجاعة والكرم والعلم والإيمان ونحوها ، بل الأفعال الجزئية الحسِّية من الرؤية والسماع ونحوهما من أفعال الروح أيضاً إنما تصدر عنها بواسطة الأعضاء والجوارح التي هي كالآلة للروح، ولذا تقول : رأيت بعيني وسمعت بأذني، وقلت بلساني، وتخبر عن روحك بأن هذه الأفعال صدرت منها بواسطة هذه الأعضاء ، كما تقول : كتبت بالقلم في كون القلم آلة للكتابة ...) () . وفي مورد آخر من البيان نقرأ تعريفاً للروح فقد كتب النراقي قائلاً : (ما عرفت من تجرد النفس إنما هو التجرّد في الذات دون الفعل لافتقارها فعلاً إلى الجسم والآلة، فحدُّها أنّها جوهر ملكوتي يستخدم البدن في حاجاته. وهو حقيقة الإنسان وذاته . والأعضاء والقوى آلاته التي يتوقف فعله عليها ، وله أسماء مختلفة بحسب اختلاف الاعتبارات ، فيسمى (روحاً) لتوقف حياة البدن عليه، و (عقلاً) لادراكه المعقولات، و (قلباً) لتقلبه في الخواطر) () . وأَبَّنَ محمد بن الحنفية الإمام السبط الحسن بن علي (ع) فقال : (رحمك الله أبا محمّد ، فوالله لئِن عزّت حياتك لقد هدَّ وفاتك ، ونعم الروح روح عمِّر به بدنك) () . إنّ التأمّل في هذه العبارات من رجل عاش في بيت العلم والمعرفة وعاش مع جيل القرآن والصحابة يوضح لنا فهم ذلك الجيل للروح واستقلاليتها عن البدن، وأنّها كيان يعمّر ويعيش البدن بواسطته. وهكذا تتحدد أمامنا حقائق عن الكيان الإنساني تتلخّص بالآتي : 1 ـ انّ الإنسان كيان مكوّن من روح وبدن . 2 ـ انّ الروح هي حقيقة الإنسان وذاته التي يُدعى بها إنساناً. 3 ـ انّ النفس والعقل والروح هي أسماء لحقيقة واحدة هي ذات الإنسان، وتختلف الأسماء باعتبار النشاط الذي تؤدّيه. 4 ـ انّ الروح كيان مجرّد عن الخصائص المادية، رغم انّ هذا الكيان نشأ من عالم المادة، غير أنّه تجرد عن خصائصها ضمن قانون الحركة الجوهرية وقانون التكامل الذي أودعه الله في عالم المادة الإنسانية . 5 ـ انّ الروح (النفس) تمارس نشاطها وأفعالها من خلال الجهاز المادي (البدن) وآلاته المادية. وبذا تتكامل أمامنا الملامح العامة للروح، وللكيان الإنساني .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|