فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  عالم الآخرة


الشّـفاعة

الشفاعة مصطلح إسلامي عقيدي، يعني في لغة العرب : (الانضمام إلى آخر ناصراً له ، وسائلاً عنه، وأكثر مايستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ، ومنه الشفاعة يوم القيامة) (7) .
وإذا كان هذا معنى الشفاعة في اللغة ، فإن معناها في العقيدة الإسلامية هو : (طلب العفو من الله سبحانه للمذنبين يوم القيامة، من قِبَل مَنْ أذِنَ الله لهم بسؤال العفو وطلبه لهم) .
إن من الأصول المقرّرة في العقيدة الإسلامية أنّ الإنسان مكلّف ومسؤول عن تكليفه وعمله، ومجازىً به، وأنّ ارتباط الجزاء بالعمل تجسيد لعدل الله سبحانه، وصدقه فيما وعد به المحسنين وتوعَّد المسيئين من الثواب والعقاب . وقد أوضح القرآن هذه العلاقة ، علاقة المسؤولية والجزاء بالتكليف والعمل، وبيّنها بالعديد من آياته المباركة ، مثل قوله تعالى :
(وأنْ لَيْسَ للإنسانِ إلاّ ما سَعى * وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ) .
( النجم / 39 ـ 40 )
(كُلُّ نَفْس بِما كَسَبَتْ رَهينةٌ ) . ( المدّثّر / 38 )
وقوله :
(فَمن يَعْملْ مِثْقالَ ذَرّة خيراً يَرَهُ * ومَن يَعْملْ مِثْقالَ ذَرّة شَرّاً يَرَهُ ) .
( الزلزلة / 7 ـ 8 )
(لِيَجزيَ اللهُ كلَّ نَفْس ما كَسَبتْ إنَّ اللهَ سَريعُ الحِسابِ ) .
(إبراهيم / 51)
(ومَن جاءَ بالسَيِّئةِ فَلا يُجْزى إلاّ مِثلَها ) . ( الأنعام / 160 )
وهكذا يحدِّد القرآن أنظمة الجزاء ، وقانون الاستحقاق في عالم الآخرة تأسيساً على عدل الله سبحانه .
ومن أصول العقيدة والإيمان بالله سبحانه أن الله متَّصف بصفات عديدة، منها صفة العدل والعفو والرحمة. وكما يقتضي العدل أن يجازي كل إنسان بما فعل، فإنّ اتِّصاف الله سبحانه بالعفو والرحمة يفتح أمام الإنسان باب الرجاء بالعفو والرحمة يوم القيامة .
(فأولئكَ عَسى اللهُ أن يَعْفُوَ عَنهم وكانَ اللهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) .
( النساء / 99 )
(قُلْ يا عِباديَ الّذينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِم لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) . ( الزمر / 53 )
(الحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ * الرّحمنِ الرّحيمِ * مالِكِ يومِ الدِّين ) .
( الفاتحة / 2 ـ 4 )
وهكذا ترتبط مسألة الحساب والجزاء يوم القيامة بالعدل والرحمة والعفو الإلهي، ولولا الرحمة والعفو الإلهي لما أوصل أحداً من الناس عملُه إلى الجنة، فليس بوسع المرء أن يؤدي ماعليه من تكليف وحقّ لله سبحانه كما ينبغي أداؤه، لذا فهو مهما عمل وجدَّ في العمل كان بحاجة إلى عفو الله ورحمته سبحانه.
أوضح الرسول محمّد (ص) ذلك بقوله : «لا يدخلنّ أحدكم الجنّة إلاّ برحمة من الله ، قيل : حتى وأنت يارسول الله ؟ قال : حتى وأنا» .
وهكذا يُعوِّل العبد على عفو الله ورحمته، كما يؤمن بعدله في الحساب .
ومن مصاديق رحمة الله وعفوه يوم الحساب هو أن جعل الشفاعة في المذنبين للأنبياء والأئمة والصالحين والشهداء ، وأنّ هذه الشفاعة قائمة على أساس الاستحقاق أيضاً ، أي استحقاق الشفيع والمشفوع له، وأهليتهم لذلك عنده .
ولنستعرض أدلّة الشفاعة من الكتاب والسُنَّة، وبيان آراء العلماء في هذه الموهبة الإلهية العظيمة .
أخبر الله سبحانه عن الشفاعة يوم القيامة لمن أذِنَ لهم بها بقوله :
(ولا تَنفعُ الشّفاعةُ عندهُ إلاّ لِمَنْ أذِنَ لهُ ... ) . ( سبأ / 23 )
(يَوْمَئِذ لا تَنْفَعُ الشّفاعةُ إلاّ من أذِنَ لهُ الرّحمنُ ورَضِيَ لهُ قَولاً ) .
( طه / 109 )
(يَعْلَمُ ما بَينَ أيدِيهِم وَما خَلْفَهُم وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنِ ارْتَضى وهُم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون ) . ( الأنبياء / 28 )
(مَن ذا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذنِه ) . ( البقرة / 255 )
وقد وعد الله سبحانه نبيه الكريم محمداً (ص) بالشفاعة العظمى يوم القيامة بقوله :
(ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ) . ( الضحى / 5 )
فقد فسّر المفسرون هذه الآية بأنها الشفاعة للنّبي (ص) .
قال الشيخ الطبرسي مفسراً هذه الآية : (معناه وسيعطيك ربّك في الآخرة من الشفاعة والحوض وسائر أنواع الكرامة، فيك وفي أمتك ما ترضى به ...) (8) .
وفي آية اخرى وعد الحق سبحانه نبيّه الكريم بأن يبعثه مقاماً محموداً فُسِّرَ بأنه مقام الشفاعة .
قال تعالى :
(ومِنَ الليلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّك مَقاماً مَحْمُوداً ) .
( الإسراء / 79 )
قال العلاّمة الطباطبائي مفسراً هذه الآية بقوله : (وقد وصف سبحانه مقامه بأنه محمود ، وأطلق القول من غير تقييد ، وهو يفيد أنه مقام يحمده الكل ولا يثني عليه الكل إلاّ إذا استحسنه الكل، وانتفع به الجميع .
ولذا فسّروا المقام المحمود بأنه المقام الذي يحمده عليه جميع الخلائق ، وهو مقام الشفاعة الكبرى له (ص) يوم القيامة. وقد اتفقت على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبي (ص) وأئمة أهل البيت (ع) ) (9) .
ويعتمد هذا التفسير على ما ورد من روايات عن النبي (ص) .
أخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة أنّ رسول الله (ص) قال : (المقام المحمود الشفاعة) (10) .
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقّاص قال : سُئِلَ رسول الله (ص) عن المقام المحمود فقال (ص) : (هو الشفاعة) (11) .
وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح، قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين : أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدّث بها أهل العراق، أحقٌّ هي ؟ قال : «إي والله. حدّثني عمِّي محمّد بن الحنفية عن علي أنّ رسول الله (ص) قال : أشفع لاُمّتي حتى يناديني ربّي : أرضيت يا محمّد ؟ فأقول : نعم يا ربّ رضيت» .
ثمّ أقبل عليَّ فقال : (إنّكم تقولون يا معشر أهل العراق: إنّ أرجى آية في كتاب الله (يا عِباديَ الّذينَ أسْرَفُوا على أنْفُسِهِم لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ) ) قلت : إنّا لنقول ذلك ، قال : (فكلّنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله (وَلَسوفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى )الشفاعة (12) ) .
وروى أبو ذر الغفاري (رض) حديث الرسول (ص) في الشفاعة فقال : (صلّى رسول الله (ص) ليلة فقرأ بآية حتّى أصبح يركع بها
ويسجد بها (إنْ تُعذِّبْهُم فإنَّهُم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُم فإنّكَ أنتَ العَزيزُ الحَكيم ) فلما أصبح قلت : يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى
أصبحت تركع بها وتسجد بها ، قال : «إنِّي سألت ربّي عزّ وجلّ الشفاعة لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله عزّ وجلّ شيئاً» ) (13) .
وقال الإمام علي بن موسى الرضا في رسالته التي وجّهها للمأمون (الخليفة العباسي) وهو يشرح حقيقة الإيمان : «ومُذنبو أهل التوحيد يدخلون النار، ويخرجون منها ، والشفاعة جائزة لهم» (14) .
وتحدّث علماء العقيدة في الشفاعة فأوضحوا أ نّها عقيدة إسلامية ثابتة لدى المسلمين جميعاً .
قال الأسفرائيني الشافعي مبيناً عقيدة أهل السُّنة في الشفاعة بالنص الآتي :
(وقالوا بإثبات الشفاعة من النبي (ص) ومن صلحاء اُمّته للمذنبين في المسلمين ، ولمن كان في قلبه ذرّة من الإيمان، والمنكرون للشفاعة يحرمون الشفاعة) (15) .
وإذا كانت الشفاعة مسلَّمة عقيدية من المسلَّمات الإيمانية، فعلينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة العقيدية تعاملاً سلوكياً سليماً .
فإنّ من أبرز الحقائق التي يجب أن نشخِّصها هي أن الاعتماد على الشفاعة بلا عمل من أسباب الحرمان من الشفاعة .
إذ إنّ من الأخطاء الشائعة عند بعض الناس أنهم يتركون ما كُلِّفُوا به من عمل وواجبات وما نهُوا عنه من محرمات متذرعين بأنهم سينالون الشفاعة بحب الرّسول (ص) وآله ، وهي كافية لانقاذهم من العقاب .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com