اسم الكتاب: عالم الآخرة
الآلام والعوض
من البديهيات الواضحة لدى الإنسان هي الاحساس باللذّة والألم . ويكوِّن اللذّة والألم الدافع الأساسي للسلوك البشري وتنقسم اللذّة والألم إلى أقسام هي : اللذة والألم الحسّيان : كلذَّة الطعام والشراب والجنس وكألم الجراح والتعب الجسمي والمرض ... الخ . واللذّة والألم النفسيان : كالحب والفرح والرضا والهم والغم والحزن والخوف . واللذّة العقلية : كلذّة العلم والمعرفة . والإنسان بطبيعته يبحث عن اللذّة ويبتعد عن الألم . غير أن للألم فلسفته الخاصة وآثاره الايجابية التي تساهم في تكامل وتصحيح شخصية الإنسان وتكوينه النفسي، وسلوكه الفردي والاجتماعي . وقد أوضح القرآن هذه الحقيقة بقوله : (كُتِبَ عَليكُم القِتالُ وهو كُرهٌ لكُم وعَسى أن تكرهوا شيئاً وهوَ خَيْرٌ لَكُم وَعسى أن تُحِبّوا شَيْئاً وهوَ شَرٌّ لكُم واللهُ يَعْلَمُ وأنتُم لا تَعْلَمون ) . ( البقرة / 216 ) (فَعَسى أن تَكْرَهوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) . ( النساء / 19 ) وللألم النفسي والجسمي مصادره ومناشئه في الحياة، فكما ينشأ الألم نتيجة لاختيار الإنسان بعض الأفعال والمواقف والممارسات فترتد آثارها عليه، فإن الله سبحانه قد يُحدِث الألم للإنسان ابتداءً ، ومن غير اختيار الإنسان وعلمه واستحقاقه لذلك الألم، كبعض الأمراض وضياع الأموال والابتلاءات والأحزان والخوف وفقد الأولاد أو حدوث تشويه أو نقص في أصل الخلقة ، ومنذ الولادة ، كفقد البصر والنطق والشلل... الخ . وهذا الألم الصادر عن الله سبحانه على قسمين : قسم منه يصدر من الله تعالى ، عقوبة إلهية للإنسان المستحق لها ـ فرداً كان أو مجتمعاً ـ . وقسم منه يصدر من الله سبحانه ابتداءً لمصلحة الإنسان الفرد أو لمصلحة جماعية تتعلق بالنوع الإنساني، لطفاً به، وإن خفيت المصلحة عليه . وجرياً على قاعدة العدل الإلهي فإن الله سبحانه لا يمكن أن يحدث ألماً للإنسان كفقد السّمع والبصر والتشويه والمرض وفقد المال والأبناء ، وإحداث الحزن والخوف بقضاء من الله وقدر دون أن يكون في ذلك الألم مصلحة للفرد أو الجماعة ودون أن يكون عليه عوض إلهي لذلك الإنسان . ومن المفيد أن نعرض بعضاً من آراء العلماء والتحليلات العقيدية التي تناولت هذا الموضوع، واهتمت بدراسته وبيان علاقته بعدل الله سبحانه ولطفه. كتب العلاّمة الحلّي قائلاً : (ذهبت الامامية أن الألم الذي يفعله الله تعالى بالعبد ، إما أن يكون على وجه الانتقام والعقوبة، وهو المستحق لقوله تعالى : (ولَقَد علمتُم الّذين اعتدوا منكم في السّبتِ فقُلنا لهُم كونوا قِرَدَةً خاسِئين ) (17) وقوله تعالى : (أوَلا يرونَ أَنهم يُفتنون في كلِّ عام مرَّةً أو مرتين ثمّ لايتوبونَ ولا هم يذكرون ) (18) ولا عوض فيه، وإما أن يكون على وجه الابتداء ، وإنما يحسن فعله من الله تعالى بشرطين : أحدهما : أن يشتمل على مصلحة ما للمتألم، أو لغيره وهو نوع من اللطف، لأنّه لولا ذلك لكان عبثاً ، والله تعالى منزّه عنه. والثاني : أن يكون في مقابلته عوض للمتألم يزيد على الألم، وإلاّ لزم الظلم والجور من الله سبحانه على عبيده، لأن إيلام الحيوان (19)وتعذيبه على غير ذنب ولا لفائدة تصل إليه ظلم وجور، وهو على الله تعالى محال (20) ) . العوض على فقد البصر والأعضاء والتشويه في الخلقة وتحدّث أبو الفتح الحسيني عن الآلام والعوض معلقاً على كتاب الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي فقال : (انّه تعالى يجب عليه عوض الآلام الصادرة عنه ابتداءً من غير سبق استحقاق ، كالأمراض والغموم المستندة إلى علم ضروري أو كسبي، يقيني أو ظنّي، وتفويت المنافع لمصلحة الغير، كالزكاة، والمضارّ الصادرة عن العباد بأمره، كالذبح في الهدي والأضحية، أو بإباحتـه، كالصيد ، والمضارّ الصادرة عن غير عاقل بتمكينه، كالألم الصادر عن السباع المؤلمة . وبالجملة ، كل ألم للعبـد كان الله تعالى هو الباعث على حصـوله ابتداءً ، سواء كان لقدرة العبد واختياره مدخل فيه، أو لا ، فيجب عليه عوضه تعالى (21) ) . ثمّ كتب موضحاً أيضاً : (واعلم أنه كما يجب (22) عليه تعالى ايصال العـوض الواجب عليه إلى المتألم كذلك يجب عليه إيصال العوض الواجب على العباد إلى المتألم، إمّا بأخذه منهم إن كان لهم عوض، أو بالتفضل من قبلهم إن لم يكن) (23) . وهكذا يتّضح لنا عدل الله سبحانه ولطفه فيما نشاهده من آلام جسمية ونفسية تحل بالإنسان بقدر من الله سبحانه ابتداءً .
|
|