فكر اسلامـي

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي


بين الاسلام والجاهليّة

منذ أن هبطت رسالات السماء انقسم الناس الى فئتين متناقضتين في العقيدة والفهم والنظر الى الحياة وما فيها من مال ومتع ولذّات وعلاقات اجتماعية وارتباط نفسي بالاشياء، فأرّخ القرآن لتلك الظاهرة بقوله :
(كان النّاسُ اُمّة واحدة فبعث الله النبيِّين مبشِّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحقّ ليحكم بين النّاس فيما اختلفوا فيه...). (البقرة / 213)
وبدأت الحياة البدائية تنمو بتنامي التفكير والقدرة العقلية والتجارب العلمية للانسان، واتّخذ المجتمع البشريّ صيغاً أكثر تعقيداً، فنشأت السلطة والدولة، ونشأ القانون والنظام، ثمّ نشأت الفلسفات والافكار والمفاهيم المنظِّرة، ومنذ أن هبطت كلمة الوحي على هذه الارض كان الناس فريقين، وكان مسار الانبياء (ع)، ومسار الطواغيت، وبنى الطواغيت حضارتهم على أساس الالحاد والفهم المادي، واتّخذ مسار هذه الحضارات خطّاً بيانيّاً يعلو تارة، ويهبط أخرى، وبلغ أوجه في الفكر اليوناني والعهد الروماني، على شكل فلسفة وقانون ونظام اجتماعي، وعلى يد هذه الحضارة نُظِّر الفكر الجاهلي واتّخذ صيغاً أكثر رقيّاً وتعقيداً، وكان الفكر الالهي، وعلى امتداد خط الصّراع، يواصل عمليات التغيير والدعوة الى الايمان بالله،
وبناء الحياة على أساس من العلم والايمان وقيم الاخلاق. ففي كل فترة كان هناك رسل وأنبياء ورسالات : (وإن من اُمّة إلاّ خلا فيها نذير ) . (فاطر / 24)
وتواصل الصّراع بين الفكر المادي والفكر الالهي،حتّى بلغ مرحلته العليا برسالة الاسلام ونبوّة منقذ البشرية محمّد(ص)،فانتصرت هذه الرسالة بالفكر كما انتصرت بالقوّة والغلبة،فبنت مجتمعاً ودولة وحضارة على أساس الاسلام، وقوّة تدافع عن مسار الهدى، ومكاسب الانسان الخيِّرة .
وقدّمت مشروعاً فكرياً متكاملاً لقيادة المجتمع البشري استطاع أن يهزم النظريات والافكار والفلسفات المادية الملحدة، والرافضة لدعوة الايمان وقيم الاخلاق، وسادت ثقافة الاسلام وحضارته، ونمت في ظلِّه العلوم والمعارف الطبيعية والاجتماعية قروناً عديدة، فكان الايمان يرعى العلم وينمِّيه، ويوجِّه مساره، وكان العلم يخدم الايمان، ويثبِّت قواعده في النفوس، فعاش العلم والايمان صنوين يتكامل عطاؤهما وتتلاقى في بناء المجتمع وخير الانسان أهدافهما .
فقد شهد تاريخ الفكر البشري نهضة علمية عملاقة على أيدي علماء الاسلام في مجال الفلسفة والاخلاق والفكر ومباحث العقل والادب والفن وعلوم التاريخ والسياسة والاجتماع ودراسات التشريع والقانون... الخ .
وكما أغنى المسلمون الفكر البشريّ بهذه العلوم والمعارف الانسانية، أغنوه كذلك في مجال العلوم والدراسات الطبيعية والحياتية، فأسّسوا مناهج البحث العلمي وبحثوا واكتشفوا النظريات العلمية، في مجال الفيزياء والطبّ والصيدلة والفلك والرياضيات والهندسة والكيمياء، وغيرها من العلوم المادية الاخرى .
يقول جورج سارتون مؤرِّخ العلوم الكبير : «المسلمون عباقرة الشرق ، في القرون الوسطى ، لهم مأثرة عظمى على الانسانية ، يتمثّل في أ نّهم تولّوا كتابة أعظم المؤلّفات والدراسات قيمة ، وأكثرها أصالة وعمقاً ، مستخدمين في ذلك لغتهم العربية ، التي كانت بلا مراء لغة العلم للجنس البشري ، في الفترة الواقعة بين منتصف القرن الثامن الميلادي ، حتى نهاية القرن ا لحادي عشر ، لدرجة أ نّه يتحتّم على الشخص الذي كان يريد الالمام بثقافة عصره ، وبأحدث ما يجري من علوم ، أن يتعلّم اللّغة العربيّة»(1).
وعن طريق المسلمين في الاندلس وصقليا انتقلت العلوم والمعارف ومناهج البحث العلمي المنظّم الى أوربا، وعلى أساس تلك المبادئ العلمية بُنيت النهضة العلمية الحديثة في أوربا في الوقت الذي تراجع فيه المسلمون بعد أن تخلّوا عن الالتزام بالاسلام، ونشب بينهم الخلاف والنزاع على السلطة، وتحوّلوا الى دويلات، وانشغل حكّامهم بالملذّات والشهوات، فتمزّق كيانهم السياسي، وتداعى صرحهم العلمي، وحصلت الانتكاسة المروِّعة في العالم الاسلامي بضياع الاندلس وتواصل الحروب الصليبية، وبدأ التفوّق الاوربي في مجال العلوم والمعارف، وأخذ الغزو الصليبي يجتاح البلاد الاسلامية في القرنين الاخيرين واحتلال بلادهم، فخضع المسلمون لاسوأ مراحل التاريخ، وعاشوا في ظلام وتخلّف تحت وطأة الاستعمار الصليبي البغيض، لا سيّما بعد الحرب العالمية الاُولى، وتحوّل المسلمون من محرِّرين وفاتحين الى مُستعمَرين خاضعين للسيطرة الاجنبية، ومن مُصدِّرين للفكر والعلوم والثقافة الى مستوردين لها . وكان أسوأ ما شهده المسلمون هو ظهور الصهيونية والشيوعية والحضارة الاوربية الرأسمالية كقوى تسعى وتتحالف للقضاء على الاسلام، ولقد انهار المعسكر الشيوعي الذي بنى كيانه السياسي والثقافي على أساس النظرية الماركسية، وعاد الصراع كما كان بين الاسلام وبين اليهودية والصليبية الاوربية المتحالفتين ضدّ الوجود الاسلامي . وفي العقود الاخيرة من هذا القرن شهد العالم الاسلامي بوادر نهضة فكرية ، فتصاعد الوعي الاسلامي وتعاظم تيّاره ، وحصلت مخاضات وتطوّرات عميقة وواسعة في الشعوب الاسلامية، وبمستوى يلوح منه العودة الى الاسلام كمشروع حضاري وكيان سياسي وعلمي ; ليأخذ دوره من جديد في قيادة العالم، في الوقت الذي انهارت فيه الحضارة الماركسية ، وتمرّ فيه الحضارة الاوربية الصليبية بمرحلة الخواء والانهيار ، فدقّت أجراس الخطر في المحافل اليهودية والصليبية، وتصاعدت حملة العداء والحرب الدعائية والسياسية والفكرية والعسكرية ضدّ الاسلام والوعي الاسلامي .
والقرآن يضعنا على وعي كامل لما يجري في عالمنا اليوم من خلال تحليله للصراع القائم بين الاسلام وخصومه، فهو صراع وفق المنطوق القرآني بين الاسلام ونمط جديد من أنماط الجاهلية التي صارعها الاسلام منذ هبوطه على نبيّ الرّحمة محمّد (ص) وشخّص طبيعتها ومرتكزاتها .
إنّ الحضارة المادية التي تقودها أوربا وأمريكا المتحالفتان مع الصهيونية تعيش الان في أزمة
اقتصادية وأخلاقية تنخر في أعماقها، وتقودها الى الهاوية، في حين يسجِّل الخط البياني للمسار الاسلامي تصاعداً ملحوظاً، ويلوِّح بأعلام النصر بإذن الله .
وهذا دبلوماسي غربي عريق هو «مراد هوفمان» سفير ألمانيا في المغرب ، يرى «أنّ القرن الواحد والعشرين هو قرن الاسلام الذي سينبعث في أوربا»(2) .
ومن هنا تأتي مصداقيّة مقولة برناردشو التي تنبّأ فيها : «انّني أتنبّأ بأنّ الناس سيقبلون على دين محمّد في أوربا ، في المستقبل ، وقد بدأ يلقى القبول في أوربا اليوم» .
لقد شخّص القرآن على امتداد نزوله على الرسول المنقذ محمّد (ص) حقيقة الجاهلية وما جرّت على البشرية من كوارث ومحن وشقاء، وكشف عن مرتكزات النظام الجاهلي الفكرية والسياسية والاقتصادية والسلوكية في عدّة بيانات، فأوضح أنّ الاساس الذي تقوم عليه الجاهلية هو الكفر بالله وبرسالاته وأنبيائه، والاعراض عن شريعته والاستخفاف بدعوة الهدى ومحاربة مبادئ الايمان الذي تتبنّاه الجاهلية الحديثة .
جاء هذا البيان في العديد من آياته، نستعرض منها قوله تعالى :
(وقال ا لّذين لا يعلَمونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ أو تَأْتِينا آيَةٌ كذلك قالَ ا لّذينَ مِن قَبْلهِم مثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنّا الاياتِ لِقَوْم يُوقِنُون ) . (البقرة / 118)
وقال تعالى :
(كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأكْثَرَ أمْوالاً وأوْلاداً فَاسْتَمْتِعُوا بِخَلاقِكُمْ كَما اسْتَمْتَعَ ا لَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا اُولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالاخِرَةِ وَاُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ... ) . (التوبة / 69)
(أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) . (الذاريات / 53)
فانّ تحليل هذه الايات يوضِّح المشترك الفكري والسلوكي بين جاهليّات الشعوب والاُمم على امتداد التاريخ وبغضّ النظر عمّا تملك من علم ومدنيّة .
فليست الجاهلية في مصطلح القرآن هي مرحلة تأريخية منقضية، ولا هي خاصّة بالعرب قبل الاسلام كما يتصوّر البعض، بل هي امتداد فكري وحضاري قائم على أساس الكفر بالله ورسله وشرائعه; لذلك قال : (تَشابَهَت قُلوبُهُم )، (أتَواصَوْا به ) ، (وخُضْتُم كالّذي خاضُوا)، (كذلك قال الّذين من قبلهم ) .
ويشرح القرآن لنا هذا التشخيص في البيئة الفكرية والاجتماعية الجاهلية واغترارهم بما لديهم من علم ومعرفة ومال وقوّة، فيقول :
(أفَلَمْ يَسِيرُوا في الارْضِ فَيَنْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ا لّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنْهُمْ، وَأشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الارْضِ، فَما أغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُون * فَلَمّا جاءَتْهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّـناتِ فَرِحُوا بِما
عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) . (غافر / 82 ـ 83 )
وهكذا فانّ الفكر الجاهلي على مدى العصور مغرور بالقوّة والمال وما يملك من علم، ويتجسّد هذا الاتجاه بأسوأ صوره في الفكر الجاهلي المعاصر، ويتّخذ تلك الركائز قاعدة لمهاجمة الاسلام وقيمه الخالدة، ويحاول دعاة الفكر المادي هذا أن يقنعوا الاخرين بصحة أفكارهم ونظريّاتهم .
إنّ الفكر المادي الجاهلي المعاصر يقوم على اُسس وفلسفات منظّرة تشكِّل بمجموعها الاساس الفكري للبناء الحضاري بما فيه من ثقافة ونظم وقوانين وقواعد للسلوك، وتتحصّن بأبنيتها تلك في خندق مواجهة للمعسكر والبناء الاسلامي.وتتلخّص البنى الاساسية لهذه الحضارة بالمبادئ الاتية :
1 ـ اعتماد المنهج المادي في تحصيل العلوم والمعارف واقصاء العقل البشري عن دوره في اكتشاف العلوم والمعارف والحقائق من خلال الايمان بالمعرفة الحسِّيّة وحدها .
2 ـ واتّساقاً مع هذا المنهج المادي، بُنيت العلوم والمعارف والحضارة والثقافة المادية الجاهلية منفصلة عن الايمان بالله ورسالاته ورسله، فكانت حضارة وثقافة جاهلية، تنكر وجود الله وتكذِّب بعالم الغيب، وتأسيساً على ذلك ادّعى مفكِّرو وفلاسفة هذا الاتجاه العلمية لمنهجهم، ثمّ انطلقوا لمهاجمة منهج التفكير الالهي وتجريده من الصفة العلمية، بعد أن ثبّتوا لانفسهم قناعات تنادي بانحصار العلم والعلمية في التفكير ومنهج البحث المادي وحده .
3 ـ أسّسوا على تلك المنطلقات الفكرية، الدعوة الى العلمانية السياسية التي تعني عزل الحياة عن الدِّين وبنائها على أساس ما اكتشفوا من علوم ومعارف، وليس منها الايمان بالله وبمبادئ الاخلاق، فما ازداد الانسان إلاّ شقاءً وعذاباً . فكانت هذه الدعوة أداة لتسلّط الطواغيت، والهيمنة على الانسان المستضعف، كما تشهد بذلك التجربة السياسية المعاصرة، وما يمارسه المتسلِّطون من قتل وإبادة جماعية، وتجويع وتعذيب واضطهاد في كل أنحاء العالم .
4 ـ لقد بُنيت دراسات وبحوث علم النفس والسلوك في هذه المدرسة على أساس التفكير ومنهج البحث المادي، فانتهى هذا المنهج الى المناداة بالاباحية السلوكية، زاعمين أنّ الايمان بقيم الحلال والحرام والاخلاق تشكِّل قيوداً على اتجاه الانسان الداخلي ورغباته النفسية، فتسبِّب تلك القوانين والقيم الاخلاقية الاسلامية الكبت والحرمان لتنتهي الى العقد النفسية، وقتل نزعات الانسان وميوله الداخلية .
وسنلاحظ من خلال الاحصاء، كيف أنّ الاباحية السلوكية لم تُنقذ الانسان من الشّقاء والعذاب النفسي، بل تسبّبت بمضاعفة محنته النفسية، وتصاعدت حالات الاجرام والاقبال على المخدِّرات والقلق وازداد التشرّد والكوارث والفضائح السياسية والازمات الاقتصادية .
ولعلّ أبرز ما يفضح لنا حقيقة الحضارة المادية العلمانية،أو(الجاهلية)كما يسمِّيها القرآن،هو لغة الارقام والاحصاء المعبِّرة عن مختلف جوانب الحياة السلوكية الفردية والاقتصادية والسياسية ... الخ. فمن خلالها نستطيع أن نقيِّم ادّعاء الاتجاه المادي العلماني وقيمة تصويره للفكر الاسلامي بأ نّه فكر متخلِّف،لا يصلح للعالم المعاصر، ولا يستطيع أن يستوعب حركة العلم والمدنية المتنامية.
وإذن فلنقرأ البيان والتحليل القرآني للمجتمع الجاهلي ومصاديق هذا التشخيص بالارقام والتقارير الشاهدة على تلك الاوضاع المتردِّية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com